المهجر اليمني بين فرصة الوعي وإعادة إنتاج الصراع
لم تكن الهجرة يومًا قرارًا سهلًا،
بل كانت بالنسبة لكثير من اليمنيين خيارًا اضطراريًا فرضته ظروف قاسية، عنوانها الأبرز: البحث عن الأمان، والاستقرار، والكرامة الإنسانية. خرجنا من وطن أنهكته الصراعات، وتعب من ضجيج السياسة، وتشرذم بفعل الانقسامات التي لم تترك مجالًا لحياة طبيعية.
لكن المؤلم حقًا… أن بعضنا لم يخرج من تلك الحالة، بل حملها معه إلى المهجر.
في بلدان يفترض أنها مساحة للهدوء، وفرصة لبداية جديدة، نرى أحيانًا نفس الوجوه، ونفس الخطابات، ونفس الاصطفافات التي عرفناها في اليمن. انتماءات حزبية ضيقة، نقاشات حادة، ومحاولات مستمرة لفرض رؤى سياسية على مجتمع مهاجر يفترض أنه جاء ليتنفس بعيدًا عن كل ذلك.
السؤال الذي يجب أن نطرحه بصدق:
لماذا جئنا إلى هنا؟
هل جئنا لنكرر نفس الأخطاء؟
أم لنبني وعيًا جديدًا يتجاوز الماضي؟
المهجر ليس ساحة لتصفية الحسابات،
ولا منصة لإعادة إنتاج الصراعات التي أرهقت الجميع. بل هو فرصة نادرة لإعادة تعريف أنفسنا كمجتمع، بعيدًا عن الضغوط، وبمساحة أكبر من الحرية والمسؤولية.
إن المجتمعات المهاجرة الناجحة هي تلك التي تدرك أن اختلافاتها يجب أن تكون مصدر غنى، لا سببًا للانقسام. وأن الانتماء الحقيقي في المهجر لا يكون لحزب أو تيار، بل لقيم مشتركة: الاحترام، التعايش، والعمل من أجل مصلحة الجميع.
لا أحد ينكر أن السياسة جزء من وعي الإنسان،
وأن الاهتمام بالشأن العام أمر مشروع،
لكن الفرق كبير بين الوعي السياسي، وبين التعصب السياسي.
الأول يبني، والثاني يهدم.
الأول يفتح أبواب الحوار، والثاني يغلقها.
ما نحتاجه اليوم في المهجر هو وعي جديد،
وعي يدرك أن نقل الصراع من اليمن إلى الخارج لن يغير شيئًا،
بل قد يعمّق الفجوة بين أبناء الجالية الواحدة.
بدلًا من ذلك، يمكن أن يكون لنا دور حقيقي وأكثر تأثيرًا:
أن نقدم صورة إيجابية عن اليمني في الخارج،
أن ندعم بعضنا البعض،
أن نساعد القادمين الجدد،
وأن نكون نموذجًا لمجتمع متماسك رغم كل الاختلافات.
الوطن لا يُخدم بالصراخ من بعيد،
ولا بتكرار نفس الخطابات،
بل يُخدم حين نرتقي بأنفسنا أولًا، ونكون انعكاسًا حضاريًا له في كل مكان.
أما أولئك الذين لا يزالون يصرّون على ممارسة نفس الأساليب القديمة،
ونقل نفس النزاعات إلى بيئة مختلفة،
فعليهم أن يدركوا أن المهجر ليس المكان المناسب لذلك.
لأننا ببساطة…
لم نأتِ إلى هنا لنعيش نفس المعاناة بشكل آخر.
هذه فرصة…
إما أن نستثمرها لبناء شيء أفضل،
أو نضيعها بإعادة تدوير ما حاولنا الهروب منه.
والاختيار… مسؤوليتنا جميعًا.


