80% من إيرادات الدولة في مهب الفساد.. جرس إنذار لإنقاذ ما تبقى من الاقتصاد اليمني

في بلدٍ يعاني من شح الموارد وتآكل الاقتصاد، لم يعد بالإمكان تجاهل أحد أخطر مظاهر الخلل المالي: النزيف المستمر في الإيرادات الضريبية. فاليمن اليوم لا يخسر فقط بسبب الحرب والانقسام المالي، بل نتيجة ممارسات داخلية تستنزف ما تبقى من موارده.

وفي وقت تكافح فيه الحكومة لتأمين الحد الأدنى من الخدمات للمواطنين، تتكشف حقيقة صادمة: ما يزيد عن 80% من الإيرادات الضريبية المفترضة لا تصل إلى خزينة الدولة، بل تتسرب إلى جيوب شبكات فساد منظمة. نحن لا نتحدث عن تسرب محدود، بل عن عملية استنزاف ممنهجة تتطلب تحركًا عاجلًا قبل فوات الأوان.

 مسؤولية عاجلة لا تحتمل التأجيل 
تفرض المسؤولية الوطنية على وزير المالية ورئيس مصلحة الضرائب اتخاذ قرار فوري بتشكيل لجنة عليا مستقلة لمراجعة كافة القرارات والملفات الضريبية، خصوصًا تلك التي تحوم حولها شبهات فساد. فكل يوم تأخير يعني استمرار نزيف الموارد العامة وتعميق الأزمة الاقتصادية.

ولا يقتصر الأمر على الضرائب فقط، إذ تشير التقديرات إلى أن الفساد الإداري يتسبب أيضًا في فقدان ما بين 30% إلى 40% من الرسوم الجمركية، نتيجة تعدد مراكز النفوذ والتدخلات غير القانونية. كما أن بعض كبار التجار والمستوردين يحصلون على إعفاءات غير مبررة بفضل نفوذهم، مما يزيد من ضعف الإيرادات العامة.

وبحسب دراسة للبنك الدولي عام 2020، فإن اليمن يُعد من أضعف الدول في تحصيل الضرائب مقارنة بحجم اقتصاده، حيث لم تتجاوز الإيرادات الضريبية 6% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل متوسط عالمي يفوق 15%.

مثلث الفساد: الخطر الحقيقي
تكشف المعطيات الميدانية عن وجود منظومة فساد متكاملة تقوم على ثلاثة أطراف رئيسية:
موظف ضعيف الذمة : يستغل منصبه لابتزاز المكلفين أو منح تخفيضات غير قانونية مقابل عمولات.
محاسب قانوني متواطئ : يقوم بتزوير البيانات المالية وتضليل الجهات المختصة مقابل مكاسب شخصية.
 مكلف بالضريبة : يفضل دفع رشوة أقل بدل الالتزام الكامل بالقانون.
والنتيجة واحدة: خسارة الدولة لغالبية مستحقاتها، بينما يستفيد قلة من العابثين بالمال العام.

 خارطة طريق للإصلاح: لجنة إنقاذ وطنية
إن الحل يبدأ بقرار شجاع يتمثل في تشكيل لجنة مستقلة متخصصة تضم كفاءات مالية وقانونية مشهود لها بالنزاهة، تتولى:
مراجعة شاملة للملفات الضريبية المشبوهة.

كشف حالات التهرب والتلاعب المالي.
استعادة الأموال المهدورة وإعادتها إلى خزينة الدولة.

تحديد المسؤوليات ومحاسبة جميع المتورطين دون استثناء.

 تطبيق القانون بلا تهاون
لا يكفي كشف الفساد دون محاسبة حقيقية. المطلوب هو تطبيق صارم للقوانين النافذة، عبر:
الحبس لكل من يثبت تورطه في التزوير أو التواطؤ.
غرامات مضاعفة لاسترداد الأموال وتعويض الضرر.
سحب التراخيص من المحاسبين القانونيين المتورطين وشطبهم من سجلات المهنة.
إن التغاضي عن ضياع هذه الموارد ليس مجرد تقصير إداري، بل جريمة بحق الوطن.

استعادة الموارد… الحل الأقرب والأسرع
بدل البحث عن القروض والمنح الخارجية، فإن استعادة الأموال المهدورة تمثل الحل الأكثر واقعية وسرعة لدعم الموازنة العامة. فالموارد موجودة، لكنها محتجزة لدى فئة محدودة لا تعبأ بمصلحة الوطن.

كما أن تحقيق العدالة في التحصيل الضريبي سيعيد الثقة بين المواطن والإدارة الضريبية، ويعزز الالتزام الطوعي، وهو أساس أي نظام مالي ناجح.

كلمة أخيرة
إن مواجهة الفساد لم تعد خيارًا، بل ضرورة وطنية تمس بقاء الدولة واستقرارها. واستعادة الموارد المنهوبة هي الخطوة الأولى نحو إصلاح اقتصادي حقيقي.

القرار اليوم بيد القيادة المالية: إما التحرك الحاسم وفتح ملفات الفساد بشجاعة، أو استمرار النزيف الذي يدفع ثمنه المواطن يوميًا.

فهل نشهد بداية حقيقية للإصلاح؟ أم يبقى هذا الملف رهينة المصالح والنفوذ؟
إنها لحظة اختبار… والوطن لا يحتمل المزيد من التأجيل.