حضرموت… حضارة تستحق البحث وموروث ينتظر الإنصاف

الاكتشافات الأثرية في شرق حضرموت 

قرأت قبل أيام عن اكتشافات أثرية بشرق حضرموت، وتحديداً في مديرية الريدة وقصيعر، ثم شاهدت فيديو أعدّته الإعلامية القديرة هدباء اليزيدي عن هذا الاكتشاف التاريخي الذي يعد من أهم الاكتشافات الأثرية والتاريخية في تاريخ حضرموت، خصوصاً أنه يتحدث عن مومياوات وعن أجساد بشرية وحيوانية محنطة، عندها تساءلت: هل حضرموت أعمق مما نظن ونتخيل؟ وهل يوجد فيها تاريخ وحضارات لم تصل إلينا عبر الكتب والمراجع التاريخية المتاحة؟ هذا الحدث في شرقي حضرموت بمنطقة الحافة، وبالتحديد غيظ حبور، إلى جانب اكتشافات قريبة في دوعن ووادي حضرموت، يرجح وجود تاريخ أكبر مما نظن في هذه المحافظة الكبيرة والمترامية، كثير منه لم يُدوّن ولم يُكتب، ولعل ما دُوّن وما وصل إلينا لا نعلم بحقيقته من تحريفه واعتراه العبث عبر الأيدي والأجيال، هذا فيما يخص الحضارات والاكتشافات والآثار التاريخية.

التاريخ والأنساب والتحالفات القبلية

ثم أخذت أتساءل أيضاً عن تاريخ حضرموت الكبير الذي أكاد أجزم أن ما وصل إلينا منه هو بعض البعض وعُشر العُشر كما يُقال، هناك تساؤلات كثيرة في دراسة حضرموت ومراحلها وفتراتها ومدارسها الدينية والمذهبية والفكرية والروحية، بل حتى فيما يخص الأنساب، فأين قبيلة حضرموت الأم؟ وإلى من تُنسب؟ تتعدد الأقوال والأنساب، ثم أحوال كندة والسكون والصدف والسكاسك وغيرهم من القبائل الموجودة بها كالازد وهمدان وبني ظنة ومذحج وطي وحمير وغيرها من القبائل العربية، وما يحيّر هو التحالفات والانصهارات التي وقعت، كيف يمكن كشف الغطاء عنها ومعرفتها ودراستها دراسة علمية أكاديمية لا تدوينات فقط تستند إلى روايات ربما بين المدون وصاحب الرواية أجيال وأجيال؟ وهنا تتوالى التساؤلات وتتكرر.

الموروث الفني وتنوع الفنون الحضرمية

ثم سألت نفسي عن الموروث الفني لهذه الأرض العظيمة، والذي يعد الدان واحداً من الفنون الغنائية بها، وقد حظي باهتمام الباحثين والمختصين حتى أُدرج ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية في منظمة اليونسكو، خلال الدورة العشرين للجنة الدولية الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي، المنعقدة في العاصمة الهندية نيودلهي، لكن هناك فنون شعبية ودينية ومهنية وقتالية حربية وبدوية وحضرية وروحية وغير ذلك كثير من الفنون التي لم تُسجل لا على مستوى اليونسكو ولا على المستوى المحلي، والكثير منها على وشك الاندثار، فهل نحتاج أن يأتي من بعدنا لينقب عنها للوصول إلى حدث تاريخي اكتشافي مثل حدث الريدة؟ أم علينا أن نعطي هذا الإرث حقه بإبرازه وحفظه وتوثيقه، وكما أُدرج الدان نسعى لإدراج غيره من الفنون الحضرمية العريقة؟ فهناك الغياضي والحفة والدحيفة والشبواني والعدة والزربادي والسركالي وشروحات البدو وشروحات العبيد والموروث البحري والموروث الزراعي، بل وموروث المناسبات الدينية والاجتماعية التي يأتي بعضها سنوياً كالمشعال والكمبارة وما يخص الأطفال في رمضان والأعياد والمناسبات المختلفة وغير ذلك، وكل هذا إلا كمثال على تعدد الموروث وتنوعه واختلاف مناسباته ووظائفه.

قصة أغنية "ياهزلي" ودروس في إبراز التراث

ومما شدني قبل أيام ما قدمه المايسترو محمد القحوم لأحد الأغاني الصنعانية بعنوان "ياهزلي" ضمن حفل أوبرا دبي، وكعادتي بحثت عن أصل هذه الأغنية في مواقع التواصل الاجتماعي فوجدت بعض الروايات التي مفادها أن الذي غناها أول مرة هو الفنان الكبير أحمد فتحي، وهي في الأصل أحد لأهازيج الشعبية التي ارتبطت بالأطفال في صنعاء، وقد غناها بعض فنانين اليهود اليمنيين في خارج اليمن ومن هنا طلب الفنان الكبير أحمد فتحي من الشاعر الكبير مطهر الإرياني أن يكتب له كلمات خفيفة على غرار هذا اللحن الذي استقاه من الموروث الصنعاني العظيم، فكتب له استجابةً لرغبته، وقد غناها أحمد فتحي، فوقفت عند هذه القصة متأملاً ومتسائلاً هل هذا الجمال في أغنية "ياهزلي" مستقى من أهازيج وأغاني الأطفال في شوارع صنعاء؟ فكيف بفنون المختصين وأهل الذوق، فكيف لو اجتهدنا وحاولنا أن نبرز تراث حضرموت وفنونها المختلفة لإظهارها وترجمتها للعالم بأسلوب حديث مع الحفاظ على أصالتها وعراقتها كما فعل فناننا الكبير أحمد فتحي؟

حضرموت… أرض عظيمة تستحق الوفاء

وفي الأخير، إن التساؤلات التي في داخلي كثيرة عن حضرموت، هذه الأرض التي تستحق أن نقول عنها العظيمة بمعنى الكلمة، فـهل حان الوقت لنرد لها بعض الوفاء تكريماً واعترافاً بحقها؟ أم أننا أناس نحب أن نكتشف الماضي وندفن الحاضر ليأتي بعدنا أجيال على نفس المنوال؟