أوروبا حين تختار عدوها.. لماذا أُبيد العراق وتُدلَّل إيران؟!

بالنظر إلى موقف أوروبا من الحرب الأخيرة بين إيران وأذرعها من جهة والولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي من جهة أخرى، فإنه ليس من الدقة النظر إلى أوروبا ككتلةٍ سياسيةٍ حياديةٍ أو مترددة، بل كعقلٍ استعماريٍّ قديمٍ يعيد إنتاج نفسه بأدواتٍ حديثة.
فعند تفكيك موقف أوروبا من الحرب المذكورة، فإننا لا نكون أمام تباينٍ عابر بل أمام انكشافٍ لمنطقٍ استراتيجيٍّ عميق.
ونحن حينما نقول "أوروبا" فإننا نقصد في جوهر الأمر بريطانيا وفرنسا؛ باعتبارهما الدولتين اللتين صاغتا خرائط النفوذ، ورسمتا حدود الشرق الأوسط. ولا شكّ أن هاتين الدولتين ما تزالان تمسكان بخيوطٍ خفيةٍ في إدارة توازناته وما بقية الدول الأوروبية إلا امتداداتٌ سياسية غالبًا ما تنسجم مع المزاج "البريطاني - الفرنسي".

ومن خلال تفكيك موقف الدولتين من قضايا الشرق الأوسط نجد أنفسنا أمام ستة محددات رئيسة تحكم مواقفهما وذلك على النحو الآتي:

أولًا:- مفارقة الموقف حين ينقلب الثابت:
ففي الحروب السابقة وتحديدًا في الحالة العراقية كان الموقف الأوروبي منسجمًا كليًا مع الولايات المتحدة؛ بل إن بريطانيا وفرنسا كانتا في صدارة التحالف الذي فرض الحصار ثم مهّد لغزو العراق.
لكن في المواجهة مع إيران بدا المشهد مختلفًا تمامًا؛ إذ ظهر الموقف الأوروبي أكثر هدوءًا وأقل اندفاعًا وأقرب إلى "كبح" التصعيد بدل تغذيته.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
لماذا كانت أوروبا شريكًا في سحق العراق بينما تبدو أكثر مرونةً ومهادنةً تجاه إيران؟ بالرغم من أن إيران أكثر اقترابًا من أدوات الردع النووي وأكثر فاعليةً في تهديد أمن المنطقة؟
ثانيًا:- ازدواجية المعايير أم اختلاف الوظيفة؟:
إذا كانت الذرائع التي استُخدمت لضرب العراق تتمثل في "أسلحة الدمار الشامل وتهديد الاستقرار" فإن هذه الذرائع - وفق الوقائع - تتوافر في الحالة الإيرانية بدرجةٍ أكبر وبحجمٍ أشد خطورة كون إيران تملك نفوذًا إقليميًا عبر أذرعٍ مسلحة وتقترب من العتبة النووية وتهدد خطوط الطاقة والممرات المائية بالإضافة للمخاوف التي يبديها بعض قادة إسرائيل وبرغم ذلك لم نشهد حزمًا أوروبيًا مماثلًا لما حدث مع العراق.
هذا التناقض لا يمكن تفسيره بسياسةٍ "ظرفية" بل بطبيعة الدور الوظيفي لكل دولة في "هندسة" الشرق الأوسط.

ثالثًا:- العراق حين خرج عن النص:
بعد أن قرر العراق التحرر من القالب الذي رُسم له في "سايكس- بيكو" عبر الثورة التي أطاحت بفيصل بن الحسين - المعيّن آنذاك بدعم بريطاني- فرنسي - كُسرت إحدى ركائز البنية الاستعمارية.
ثم جاء تأميم النفط ليكسر الركيزة الثانية.
بهاتين الخطوتين، تمرد العراق على الإرث الاستعماري، واتجه نحو الإطار العربي الجامع، فتحول من "دولة ضمن التشكيل" إلى "دولة خارجة عن السيطرة" فكانت النتيجة إجماعًا أوروبيًا–أمريكيًا على استهدافه وتفتيته.

رابعًا:- إيران حين تؤدي الدور:
على النقيض مما سبق جاء تشكّل إيران "الولي الفقيه" ضمن هندسةٍ أعمق، وبنموذجٍ مختلف.
فلم يكن هذا النظام مجرد تحوّلٍ داخلي، بل مشروعًا يخدم توازناتٍ مرسومة. ورغم رفعه شعارات العداء للغرب، فإنه - في العمق - لا يشتبك إلا ضمن "سقفٍ محسوب".
هذا الاشتباك يخلق حالة استنزافٍ دائمٍ في المنطقة، دون أن يؤدي إلى انفجارٍ شامل، وهو ما يُعد  "وفق هذا المنظور"  استنزافًا "محمودًا".
وعليه، لا تُواجه إيران باعتبارها خطرًا وجوديًا، بل تُدار باعتبارها أداة "ضبطٍ إقليمي".
خامسًا:- إسرائيل... الثابت الذي لا يتغير:
ففي هذه المعادلة تظل تظل إسرائيل عنصرًا ثابتًا في الرؤية الغربية.
فوجودها ليس محل نزاع، بل محور توازن، وما يدور حولها – من صراعٍ أو تهدئة – يُدار بما لا يُفضي إلى تهديدٍ حقيقي لهذا الثابت.

سادسًا:- السعودية خارج القالب:
تبقى السعودية حالةً مختلفة في هذا السياق؛ إذ لم تُنشأ بقرارٍ استعماري، ولم تخضع لترتيبات "سايكس–بيكو"، ولم تكن جزءًا من بروتوكولات "بلفور" أو "مكماهون".
بل شكّلت مشروعًا قائمًا بذاته، مستقلًا دينيًا وسياسيًا، وممتدًا جيوسياسيًا، وعابرًا للحدود جيوستراتيجيًا، ومحتلًا موقعًا محوريًا في قلب العالم.
ولهذا، كانت المملكة دومًا في موقع التحدي لمشاريع الاحتواء العرقية والطائفية، أو المنحازة لمحاور الصراع، أو المنضوية تحت أحلافٍ صاغتها القوى المنتصرة في الحربين العالميتين.

أخيرًا:- أوروبا لا تختلف... بل توزّع الأدوار:
فما يبدو اختلافًا بين أوروبا وأمريكا في التعامل مع إيران ليس خلافًا حقيقيًا، بل تنويعًا في الأساليب داخل "استراتيجية واحدة".
فالعراق عوقب لأنه "خرج عن النص"، وإيران تُدار لأنها "تؤدي دورًا".
وبناءً على ذلك، ينبغي إدراك أن أوروبا ليست أقل حدةً في موقفها من إيران، بل أكثر دهاءً.
وعليه، لسنا أمام صراعاتٍ حقيقية بقدر ما نحن أمام مسرحٍ تتبدل فيه الأدوار، بينما يبقى النص واحدًا، والمخرج نفسه.

بقى السؤال:
أكو عرب؟!