التعليم في اليمن.. بين فكيّ التدمير والانهيار! 

لم يسلم التعليم من أيدي العبث والتدمير الممنهج، فأصبح في حالة يُرثى لها، يتداعى كما تتداعى جدران المدارس المهترئة التي كانت ذات يوم صروحًا للعلم والمعرفة، لم يكن هذا التدهور وليد اللحظة، بل هو نتيجة قرارات وإجراءات متراكمة، قادت التعليم إلى الهاوية، وحرمت الأجيال القادمة من أبسط حقوقها في التعلم والنهوض بالمستقبل.    

لطالما كان التعليم في اليمن هو السلاح الوحيد للفقراء، والسبيل المتاح أمامهم لتحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، غير أن سياسة إلغاء مجانية التعليم، بدءًا من إلغاء التغذية من الأقسام الداخلية، كانت الضربة الأولى في سلسلة طويلة من الإجراءات التي أجهزت على العملية التعليمية.  

الأقسام الداخلية التي كانت تحتضن الطلاب القادمين من الأرياف والمناطق الفقيرة، وتوفر لهم الحد الأدنى من مقومات الحياة الدراسية، تم إغلاقها أو إهمالها تمامًا ؛لم يعد الطالب يجد مأوى أو وجبة تسد رمقه، فأُجبر الكثير منهم على ترك مقاعد الدراسة والعودة إلى قراهم، ليصبح التعليم حلمًا بعيد المنال.    

لم يكن إلغاء مجانية التعليم وحده الكارثة، بل جاءت الجامعات الخاصة والتعليم الموازي ليكرّسا التمييز الطبقي بين الطلاب، ويحوّلا التعليم إلى سلعة لمن يدفع أكثر ،في السابق، كانت الجامعات الحكومية تمثل الملاذ الأخير للطلاب المتفوقين، بغض النظر عن وضعهم المادي، لكن مع تفشي ظاهرة التعليم الموازي والخاص، أصبح النجاح في الجامعات مشروطًا بالقدرة على الدفع، وليس بالكفاءة العلمية؛ لم يعد التفوق معيارًا، بل أصبح "أدفع تنجح" هو الشعار السائد، ما أدى إلى تخريج أجيال ضعيفة علميًا لا تمتلك الحد الأدنى من المعارف والمهارات ؛في اليمن، تعرض المعلمون للتضييق والإهمال، فلم تُصرف رواتبهم بانتظام، ولم تُراعَ حقوقهم الأساسية، بل وتم تهميش دورهم في المجتمع ،أصبح المعلم اليوم يعاني من سوء الوضع المعيشي، ما اضطر الكثير منهم إلى البحث عن أعمال أخرى لتأمين لقمة العيش، فيما هاجر آخرون إلى دول مجاورة بحثًا عن فرص عمل تليق بمكانتهم.    

لم يتوقف الأمر عند إضعاف دور المعلم، بل تم فتح أبواب الغش في الامتحانات الوزارية على مصراعيها، حتى باتت الشهادات مجرد ورق بلا قيمة.  

في قاعات الامتحانات، لم يعد التفوق مرتبطًا بالجهد والاجتهاد، بل صار مرتبطًا بقدرة الطالب على شراء إجابات الأسئلة أو التواطؤ مع المراقبين، صار النجاح متاحًا للجميع، حتى لأولئك الذين لم يفتحوا كتابًا طوال العام، فيما يُحبط المجتهدون الذين بذلوا جهدهم في سبيل تحصيل العلم، ليجدوا أنفسهم في منافسة غير عادلة مع الفاسدين. 

لم تكتفِ الإدارة الفاشلة بتدمير التعليم فحسب، بل قامت بترقية الفاشلين إلى مواقع صنع القرار في المؤسسات التعليمية والحكومية ،أصبحنا نشهد مسؤولين لا يملكون أدنى مؤهلات علمية أو إدارية، يتصدرون المشهد، فيما تُقصى الكفاءات الحقيقية أو تُجبر على الهجرة. كيف يمكن لقطاع التعليم أن ينهض وهو يُدار من قبل أشخاص لم يعرفوا قيمة العلم يومًا؟ كيف لمستقبل وطن أن يُبنى على أيدي من يجهلون أساسيات الإدارة والتخطيط؟ 

إن الوضع الحالي للتعليم في اليمن لا يبشر بخير، بل ينذر بكارثة حقيقية إذا لم يتم تدارك الأمر سريعًا،جيل كامل مهدد بالجهل والتخلف، فيما تتحكم المصالح الشخصية والفساد بمصير أمة بأكملها ،لا يمكن إنقاذ التعليم إلا بإجراءات حاسمة، تبدأ بإعادة مجانية التعليم، والاهتمام بالمعلم، ومحاربة الغش، وإعادة الاعتبار للكفاءة العلمية، فالتعليم ليس رفاهية، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه نهضة الشعوب، وإذا استمر الوضع الحالي، فإن اليمن مهدد بأن يصبح وطنًا بلا عقول، وأجيالًا بلا مستقبل ؛التعليم هو الأمل الوحيد الذي يمكن أن يُنتشل به اليمن من مستنقع الفوضى والانهيار، فهل يدرك المسؤولون حجم الكارثة؟ أم أن سياسة التدمير ستظل مستمرة حتى يسقط آخر جدار من جدران المعرفة؟!