حين تغيب الأجساد وتبقى الرسالة

في لحظات الزلازل الكبرى، حين تضطرب القلوب وتتكاثر الأسئلة؛ لا يكون الثبات وليد العاطفة؛ بل ثمرةَ وعيٍ عميق بسنن الله في التاريخ. فالدعوات الحقة لا تُقاس بأعمار الرجال، ولا تُختزل في أسماءٍ مهما عظمت؛ لأن الرسالة من عند الله، وحَمَلتها بشر يأتون ويذهبون. هذه حقيقة قرآنية كبرى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، لكنها لا تعني أبدا موت القيم أو انطفاء المعاني.

ولذلك لمّا فُجِع الصحابة بوفاة النبي ﷺ، كادت القلوب أن تتصدّع؛ لولا أن نهض الصّديق أبو بكر رضي الله عنه؛ ليعيد الأمة إلى ميزانها، ويذكّرها بأن العبادة لله لا للأشخاص، وأن الرسالة أكبر من حاملها. في تلك اللحظة الفارقة؛ تَجلّت سنّة التداول: يموت الرجال، وتبقى المبادئ؛ إذا وُجد من يحملها بصدق.

إن القضايا العادلة لا يحفظها الدم ولا النسب؛ بل يحفظها الإيمان والتسليم والتوارث القيمي؛ تُسلَّم الأمانة من قلب إلى قلب، ومن جيلٍ إلى جيل؛ لا بالوصايا الورقية؛ بل بالقدوة الحيّة. من عاش للفكرة؛ أبقاها الله حيّة بعده، ومن حمل المعنى؛ أورثه الله القبول في الأرض.

وليس هذا المعنى أوضحَ من ميزان الشهادة في الوحي؛ فالشهادة ليست نهاية الطريق؛ بل ذروة السنام، واصطفاء إلهي؛ يرفع الله به أقواما ويُحيي بهم أمما. الشهيد لا يغيب؛ بل ينتقل من ساحة البلاء إلى ساحة الجزاء، ويبقى أثره في الناس بقدر صدقه! لذلك لم تكن دماء الصادقين يومًا سببا للانكسار؛ بل كانت وقودا للثبات، ورسائل حياة تُكتب بمداد التضحية.

ومن هنا نفهم سر التأثير العميق الذي يحدث حين يغيب الاسم ويحضر المعنى. فالقيادة في الإسلام ليست صخبا ولا استعراضا؛ بل أمانة تُؤدَّى، وصدق يُصان. الكلمة حين تتحرر من طلب الشهرة؛ تصير أثقل في ميزان الحق، وأمضى في معركة الوعي. القلوب تتعلق بالصدق؛ قبل الصوت، وبالموقف قبل الصورة.

وفي واقعنا المعاصر، رأينا كيف يمكن للإعلام الرسالي المنضبط أن يكون جبهة كاملة؛ لا تقل أثرا عن ساحات المواجهة الأخرى. تجربة الناطق الإعلامي في كتائب القسام مثال واضح: غاب الاسم، وغاب الوجه؛ لكن الرسالة حضرت، والمعنى ترسّخ، والصدق صار رأس المال. وهكذا تُقاس القيادات الرسالية: بما تتركه من أثر بعد الرحيل؛ لا بما تحصّله من تصفيق في زمن الحضور.

والجهاد في ميزان الإسلام مفهوم جامع، لا يُختزل في صورة واحدة. هو مجاهدة النفس، والكلمة، والموقف، والإعداد. وحين تُحاصَر ساحة؛ تُفتح أخرى؛ علمٌ يُبصّر، وإعلام يُقاوم التزييف، واقتصاد يُسنِد، ووحدة صفّ تُفشل الكيد. إن اختزال الجهاد يُعطّل النصر؛ أما تكامله فيصنعه.

وإذا استُهدِف الرمز؛ فإن الامتحان الحقيقي يكون في صناعة الجيل؛ فالقيادة في المنهج الرسالي لا تُصنع في القمّة وحدها؛ بل تُبنى من القاعدة. الإيمان، والوعي، والعلم، والانضباط الأخلاقي هي لبنات القيادة المستدامة. وحين تكون التربية بالقدوة لا بالشعار؛ تُنجب المحن أجيالا، ويتحول قطع الرأس –كما يظن الخصوم– إلى وهم سرعان ما تكذّبه السنن.

وفي هذا السياق، تبدو تجربة حركة حماس شاهدا حيّا على تداول الأدوار، وبقاء المسار رغم تغيّر الوجوه. تُغتال الأجساد؛ لكن الرسالة لا تُغتال؛ لأن لها حَمَلة كُثُرا، ومؤسسات ومعاني لا تتوقف على فرد.

غير أن أخطر ما يهدد المسيرة في زمن الشدائد هو التنازع؛ لأنه يبدد القوة ويكسر الثقة. والوحدة ليست ترفاذ؛ بل شرط بقاء. والحكمة أن نقدّم الكليات على الجزئيات، وأن ندير الخلاف دون أن نحوله إلى صراع. فالبنيان لا يقف إذا تفرقت أحجاره.

إن معركة اليوم ليست سلاحا فقط؛ بل معركة وعي. والكلمة الصادقة فيها عبادة، والتثبّت فريضة. حين تُصان الحقيقة؛ يُصان الحق، وحين تُغتال الحقيقة؛ يبدأ الظلم. لذلك كانت مسؤولية الأمة أن تنصر من يحمل عنها الثِّقل! بالدعاء الصادق، وبالكلمة العادلة، وبالموقف المسؤول، وبرعاية المتضررين، وتحمل الواجب الجماعي.

وفي النهاية، يعلّمنا التاريخ –وتؤكده السنن– أن النصر وعدٌ مشروط؛ صبر، وثبات، واستقامة؛ لا تقديس لأشخاص، ولا يأس بعد فقد؛ فالأشخاص وسائل، والرسالة غاية. إذا غاب جسد؛ حضر أثره، وإذا تبدّل وجه؛ بقيت الطريق.

هكذا تمضي القضايا الحيّة؛ يموت الرجال، وتبقى الرسائل، وتغيب الأجساد؛ لكن المعنى لا يموت.

أسأل الله أن لا يزرغ قلوبنا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب. ودمتم سالمين!