من السرقة إلى الغنيمة : سقوط الدولة قبل السور !
الصورة المتداولة التي تُظهر لصّاً يرفع دراجة نارية من فوق سورٍ عالٍ ليسلّمها إلى لصٍّ آخر، ليست مجرد صورة طريفة كما يحاول البعض تصويرها،بل هو مشهدٌ مكثّف لحقيقة سياسية و اجتماعية خطيرة: تحويل الفوضى إلى نظام، و النهب إلى حق، و ممتلكات الناس إلى غنائم..
ما جرى في الصورة ليست سرقة فردية عابرة، بل انعكاس مباشر لثقافة جرى ترسيخها خلال سنوات من غياب الدولة، و تفكك القانون، و تعدد مراكز القوة.. حين يُربّى الناس على أن السلاح يمنح الشرعية، و أن السيطرة تعني الملكية، يصبح المواطن آخر من يُحسب له حساب، و تتحول ممتلكاته إلى “رزقٍ سايب” يتقاسمه الأقوى..
الأخطر أن هذا السلوك لم يعد مداناً بما يكفي، بل يُبرَّر تحت مسميات بائسة: ظروف الحرب، الحاجة، أو حتى الانتماء المناطقي..
و كأن الحرب تُسقط حق الإنسان في ملكه، و كأن الانتماء يمنح رخصة للنهب.!. هكذا تُعاد صياغة الجريمة لتصبح ممارسة عادية، بل و مقبولة..
منذ متى كان المال العام بلا صاحب؟ و منذ متى أصبحت ممتلكات المواطنين تعويضاً غير معلن لفشل السلطة و عجزها.؟.
حين تعجز الجهات الحاكمة عن حماية الناس، ثم تصمت عن نهبهم، فهي لا تفشل فقط، بل تتواطأ..
الصمت هنا ليس حياداً، بل شراكة غير معلنة في الجريمة..
المشهد المضحك في ظاهره هو في جوهره إعلان إفلاس سياسي و أخلاقي..
دولة لا تحمي، و سلطات تتقاسم النفوذ، و مواطن يدفع الثمن وحده..
و حين يتحول اللص إلى مادة للضحك، و تُمحى صورة الجريمة، نكون قد انتقلنا من مرحلة الانفلات إلى مرحلة التطبيع مع النهب..
القضية ليست دراجة نارية سُرقت، بل وطن تُسرق فيه الحقوق يومياً، باسم القوة، و تحت غطاء الفوضى، و بصمت من يفترض بهم أن يكونوا حراس القانون لا شهود زور عليه..


