فلسفة القوة في زمن الضجيج
بقلم: منصور بلعيدي_
في عالم يضج بالصراخ، ويزدحم بالمواقف المستفزة، يصبح الصمت أحيانًا أعلى صوتًا، ويغدو التجاهل أبلغ رد. لم تعد القوة تقاس بعلو الصوت أو شدة الرد، بل باتت تُقاس بقدرة الإنسان على ضبط نفسه، والارتقاء فوق الصغائر، والانسحاب من كل ما يؤذي روحه ويشوّه صفاءه.
*الانسحاب النبيل.*
في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتشابك فيه العلاقات، وتكثر فيه الوجوه المزيفة، يصبح الانسحاب من كل ما هو مؤذٍ ومصطنع أعظم انتصار يمكن أن يحققه الإنسان. ليس ضعفًا أن تبتعد، بل حكمة. ليس هروبًا أن تصمت، بل وعي. فكم من معركة خاسرة خاضها البعض دفاعًا عن كرامة لا يفهمها الآخرون، وكم من جدال عقيم أنهك الأرواح دون جدوى.
أنت رائع حين تتجاهل من يسيء إليك، لا لأنك لا تملك الرد، بل لأنك أسمى من أن تنحدر إلى مستواه. وأنت كريم حين تمسح دمعة غيرك، رغم أن قلبك مثقل بالهموم. ولطيف حين تمنح من حولك اهتمامًا صادقًا، وجميل حين تبتسم رغم العواصف التي تعصف بداخلك.
الطمأنينة لا تُشترى، لكنها تُهدى. تُهدى لمن اختار السلام الداخلي على الصراع، ولمن آثر النقاء على الضجيج، ولمن آمن أن الله لا ينسى عبده، وأن بعد كل ضيق فرج، وبعد كل ليل فجر.
في لحظة دافئة، قد يبدل الله ما يؤرقك إلى راحة، وما يحزنك إلى فرح، وما يشتتك إلى سكينة. فقط كن صادقًا مع نفسك، وامنحها فرصة أن تتنفس بعيدًا عن الزيف، وأن تتطهر من شوائب العلاقات المرهقة.
في النهاية، سيجد كلٌ منا ما يشبهه. هم سيجدون من يشبههم، وأنت ستجد نفسك. وستدرك أن أجمل ما في الحياة ليس الانتصار على الآخرين، بل الانتصار على نفسك، حين تختار أن تكون إنسانًا نقيًا في عالمٍ يزداد ضجيجه كل يوم..


