لكِ الله يا عـدن 

اليوم ونحن على أعتاب مرحلة مفصلية من مراحل قضيتنا الجنوبية العادلة، وفي خضمّ التسارع الدراماتيكي في أحداث المشهد السياسي العام، تبرز أمامنا فرصة تاريخية حقيقية لا تحتمل التردد ولا تقبل أنصاف المواقف والحلول.
فرصة قد لا تتكرر، إما أن تُستثمر لصالح عدن والجنوب أو تُهدر كما أُهدرت فرص كثيرة من قبل وعلى حساب المدينة وأبنائها.

لقد كانت عدن ولا تزال في قلب كل التحولات لكنها في الوقت ذاته كانت الضحية الدائمة لسياسات الإقصاء والتهميش وموضوعًا للمساومات السياسية التي تُستحضر عند الحاجة وتُهمَل عند اقتسام المكاسب.
فبينما يُتداول مستقبل البلاد على الطاولات السياسية بقيت عدن غائبة عن القرار حاضرة فقط في الأزمات، تدفع الثمن وحدها من أمنها وخدماتها واستقرارها.

إن ما تعانيه عدن اليوم ليس أزمة خدمات عابرة ولا خللًا إداريًا طارئًا، بل نتيجة مباشرة لغياب الإرادة السياسية في إنصافها واستمرار التعامل معها كمدينة بلا صوت وكأن صبر أهلها لا ينفد وكأن معاناتهم قدرٌ لا يستوجب المعالجة، هذا الواقع لم يعد مقبولًا ولا يمكن القفز عليه بشعارات فضفاضة أو وعود مؤجلة.

وفي خضم هذه التحولات لا يمكن إغفال الدور السعودي المميز والمحوري في إعادة تسليط الضوء على القضية الجنوبية عامة ومظلومية عدن على وجه الخصوص باعتبارها جوهرًا أساسيًا لأي حل عادل ومستدام، فقد أظهرت المملكة العربية السعودية عبر مواقفها السياسية وجهودها الدبلوماسية حرصًا واضحًا على دعم الاستقرار وإنصاف القضايا العادلة والتعامل مع تعقيدات المشهد بروح المسؤولية والشراكة لا بمنطق الإقصاء أو فرض الأمر الواقع.

وكان للحضور السعودي أثر ملموس في كبح محاولات تهميش عدن والدفع باتجاه مقاربة أكثر توازنًا تراعي مكانة المدينة الاستراتيجية وحقوق أبنائها وهو دور يُحسب للمملكة ويعكس فهمًا عميقًا بأن أي تسوية سياسية لا يمكن أن تنجح ما لم تنطلق من العدالة والإنصاف.

إن المرحلة الراهنة تفرض على القوى الجنوبية والنخب السياسية تحديدًا مسؤولية تاريخية لا مجال للتنصل منها، فالدفاع عن عدن ليس ترفًا سياسيًا ولا ملفًا ثانويًا بل هو جوهر أي مشروع وطني جنوبي حقيقي وعدن لا تطلب امتيازات خاصة بل تطالب بحقها الطبيعي في أن تكون شريكة في القرار ومركزًا فاعلًا في إدارة شؤونها لا ساحةً لتصفية الحسابات أو اختبار النفوذ.

لقد أثبت أبناء عدن في أحلك الظروف أنهم الأكثر حرصًا على السلم الاجتماعي والأبعد عن منطق الفوضى لكن هذا الحرص لا يجب أن يُفسَّر ضعفًا ولا صمتهم رضًا، فالصبر حين يطول يتحول إلى موقف والموقف حين يُتجاهل يصبح إدانة سياسية وأخلاقية لكل من تواطأ أو صمت.
اليوم تقف عدن أمام لحظة اختبار حقيقية إما أن يُعاد الاعتبار لها ولأبنائها ضمن مشروع سياسي واضح وعادل يستند إلى شراكات إقليمية داعمة للاستقرار وفي مقدمتها الدور السعودي أو أن يستمر مسلسل التهميش بما يحمله من مخاطر على مستقبل المدينة والقضية الجنوبية برمّتها.
فعدن كانت وستظل ميزان الصدق لأي مشروع يدّعي العدالة ولا مستقبل لأي تسوية تتجاوزها أو تتجاهل حقوق أهلها.

لكِ الله يا عدن…
فللحق صوت، وللتاريخ ذاكرة، وللشعوب إرادة.