"لن يموت الحراك التهامي ولن تخبو جذوة المقاومة التهامية"
بقلم: د/ علي عفيفي الأهدل
لن يموت الحِراكُ ولن تَخبو جَذوةُ المُقاومة، ما دام في الميدانِ رجالٌ إذا ذُكِرَ العهدُ قاموا، وإذا نُودِيَتِ الكرامةُ لبُّوا، وإذا ثَقُلَتِ التَّضحياتُ ازدادوا ثباتًا لا انكسارًا.
إنَّ الحِراكَ والمقاومة ليسَ لافتةً تُعلَّق، ولا موجةً عابرةً تُجيدُ الصُّراخَ ثم تنصرف، بل هو وعيٌ متجذِّر، وإرادةٌ تتوارثها القلوبُ قبل الأيدي. هو مدرسةُ الصبرِ الطويل، ومحرابُ الفعلِ الصامت، ووصيَّةُ الدَّمِ حين يرفضُ أن يكون خبرًا عابرًا في نشرةٍ منسيَّة.
وفيه اليومَ رجالٌ يَحملونَ الرَّايةَ كما تُحملُ الأمانةُ لا كما تُرفعُ الشِّعارات؛
فيه القائدُ مُراد، بثباتِه الهادئ الذي يُعلِّمُ الميدانَ أنَّ الحِكمةَ لا تُناقِضُ الشَّجاعة،
وفيه القائدُ أحمدُ غانم، بإصرارِه الذي لا يلينُ، حين تضيقُ الطُّرقُ وتتكاثرُ الاختبارات،
وفيه القائدُ محمدُ العِماد، الذي يعرفُ أنَّ القيادةَ موقفٌ قبل أن تكونَ موقعًا، والقائد ابراهيم عيدروس رجل الحزم،
وفيه الرجل الشجاع و الإعلاميُّ رفيق دومه، صوتُ الحقيقةِ حين تُحاصَر، وشاهدُ العدلِ حين يُرادُ له الصَّمت وكذلك عمرو القادري والكابتن حسام هربي،
ومعهم "رجالٌ" مخلصونَ كُثُر، في شتّى المجالاتِ والمستويات؛ منهم من يقفُ في الصُّفوفِ الأولى، ومنهم من يحرسُ الفكرةَ في العتمة، ومنهم من يزرعُ الأملَ في القلوبِ المتعبة دون أن ينتظرَ تصفيقًا. أولئك هم السِّياجُ الحقيقيُّ للحِراك والمقاومة، وهم الرِّهانُ الذي لا يخيب.
الحِراكُ باقٍ على العهد، لأنَّه لم يُبنَ على الأسماءِ وحدها، بل على القيم؛
باقٍ لأنَّه لم يساومْ على كرامةٍ، ولم يبعْ حلمًا، ولم يبدِّلْ بوصلتَه عند أوَّلِ منعطف،
باقٍ لأنَّه يعرفُ أنَّ الطُّرقَ إلى الحُرِّيَّةِ طويلة، وأنَّ من استعجلَ الثِّمارَ أضاعَ الجذور.
قد تتغيَّرُ الوجوهُ، وقد تتبدَّلُ الظُّروفُ، لكنَّ العهدَ لا يتغيَّر:
عهدُ الصِّدقِ مع القضيَّة، وعهدُ الوفاءِ للتَّضحيات، وعهدُ الاستمرارِ حتى يتحقَّقَ ما خرجَ الناسُ من أجله.
وهكذا، ما دام في الحِراكِ رجالٌ يُشبهونَ القيمَ التي نادى بها، فلن يموت،
وما دامتِ المُقاومةُ تسكنُ الضمائرَ قبل الخنادق، فلن تُهزَم،
وما دام العهدُ محفوظًا في القلوب، فالغدُ ـ مهما طال ـ آتٍ.
آتٍ لأنَّ القضيَّةَ التي تُحملُ بالوعي لا تشيخ، ولأنَّ الفكرةَ التي تُروى بالتَّضحيات لا تجفّ، ولأنَّ الحِراكَ حين خرج لم يخرج طلبًا لمكسبٍ عابر، بل دفاعًا عن حقٍّ راسخٍ لا يسقطُ بالتقادم.
سيبقى الحِراكُ والمقاومة حاضرًا، لا تُغيِّبه الحملاتُ ولا تُربِكه العواصفُ؛ يعرفُ متى يتقدَّم، ومتى يُمسكُ زمامَ الصبر، ومتى يُذكِّرُ الجميعَ بأنَّ الثَّباتَ فعلٌ طويلُ النَّفَس، لا اندفاعًا أعمى ولا انكسارًا صامتًا. فالمعاركُ الكبرى لا تُحسَمُ بضجيجِ البدايات، بل بحكمةِ الاستمرار.
وسيظلُّ الحِراكُ والمقاومة وفيًّا لروحه الأولى؛ روحِ الجمعِ لا الإقصاء، والعملِ لا المتاجرة، والهدفِ لا الأشخاص. لا يُقدِّسُ فردًا، ولا يُخاصِمُ مخلصًا، ولا يسمحُ أن تتحوَّلَ القضيَّةُ إلى منصَّةِ تصفيةِ حساباتٍ أو سلعةٍ في سوقِ المصالح. هنا تُعرَفُ الفوارقُ بين من يحملُ القضيَّة، ومن يحملُها القضيَّةُ على كتفيه.
إنَّ الرِّهانَ الحقيقيَّ ليس في كثرةِ الشِّعارات، بل في ثباتِ المواقف؛ ليس في صخبِ الخطاب، بل في صدقِ النِّيَّات؛ وليس في لحظةِ حضورٍ إعلاميٍّ عابر، بل في تراكمِ الفعلِ اليوميّ الذي قد لا يُرى، لكنَّه يُغيِّرُ المصير.
وهكذا يمضي الحِراكُ والمقاومة، محروسًا بوعيِ رجاله، ومشدودًا بعهدِ شهدائه، ومسنودًا بدعاءِ الأمهات، ومحمولًا على أكتافِ الصابرين. يمضي لا لأنَّ الطَّريقَ سهل، بل لأنَّ الرُّجوعَ مستحيل، ولا خيارَ لمن اختار الكرامةَ إلَّا أن يُكمِلَ المسير.
فالحِراكُ والمقاومة باقية…
باقٍية لأنَّ فيها رجالًا إذا تعبوا صبروا، وإذا صبروا انتصروا،
وباقٍ لأنَّه وعدُ أرضٍ لأبنائها، لا بيانُ موسمٍ ولا نشوةُ لحظة،
وباقٍ على العهد، حتى يكتملَ الحلمُ، أو نُسلِّمه لمن بعدنا كما استلمناه: نقيًّا، صلبًا، لا ينكسر.
وسيبقى إرثُ الشَّيخِ المرحومِ عبدالرحمنِ حجريِّ شامخًا لا يموت، لأنَّه لم يكن سيرةَ رجلٍ فحسب، بل كان نهجَ قضيَّةٍ، وبوصلةَ موقفٍ، وضميرَ مرحلةٍ بأكملها. لم يزرعِ الأسماءَ، بل غرسَ المعاني، ولم يُعلِّقِ الآمالَ على الأشخاص، بل علَّقها على وعيِ النَّاسِ ووحدتِهم وصلابةِ إرادتِهم.
كان الشيخ عبدالرحمن حجريُّ رحمه الله مدرسةً في القيادة؛ يقدِّمُ الفعلَ على القول، ويجعلُ من التواضعِ قوَّةً، ومن الصِّدقِ سلاحًا، ومن القربِ من النَّاسِ حصنًا لا يُخترق. رحل الجسدُ، لكنَّ الأثرَ بقي، لأنَّ من يكتبُ نفسَه في وجدانِ القضيَّة لا يغيِّبه الغياب، ولا تطويه السِّنين.
سيظلُّ اسمُه حيًّا في كلِّ موقفٍ صادق، وفي كلِّ خطوةٍ ثابتة، وفي كلِّ يدٍ تُمسكُ بالعهد ولا تُساوم. سيبقى حاضرًا حين تُختبَرُ النِّيَّات، وحين يُفرَزُ المخلصون من المتاجرين، وحين تحتاجُ القضيَّةُ إلى من يُذكِّرُها بطريقها الأوَّل.
إنَّ إرثَ الشيخ عبدالرحمنِ حجريِّ ليس ذكرى تُستحضَر، بل مسؤوليةٌ تُحمَل؛ مسؤوليةُ الحفاظِ على وحدةِ الصَّف، وصيانةِ القرار، وحمايةِ الحِراكِ من التَّشظِّي والاختطاف. فمن وفى للعهد الذي تركه، أحياه، ومن فرَّط فيه، خان ذاكرته قبل أن يخون القضيَّة.
وهكذا، ما دام في الحِراكِ والمقاومةمن يمشي على خطاه، ويؤمن بما آمن به، ويصبر كما صبر، فإنَّ إرثه سيظلُّ عاليًا كرايةٍ لا تنكسر، ورمزًا لا يُمحى، ونورًا يهدي الدرب كلَّما ادلهمَّتِ الطُّرق. ...


