عندما تسقط الرهانات الخاطئة.. الصبيحة أولا 

ألا لا يجهلن أحدٌ علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ملأنا البر حتى ضاق عنا
وماء البحر نملؤه سفينا

ليست هذه الأبيات استدعاءً للماضي بقدر ما هي توصيف دقيق للحاضر؛ فالأمم والقبائل لا تُختبر في أوقات السلم، بل تُعرف معادنها عند الشدائد، وعند اللحظات التي يظن فيها العابثون أن الفوضى يمكن أن تُفرض بالقوة أو بالغدر.
إن الجريمة الآثمة التي استهدفت موكب الشيخ حمدي تمثل فعلًا مدانًا بكل المقاييس الإنسانية والأخلاقية، ولا يمكن النظر إليها كحادثة معزولة أو تصرّف فردي عابر. إنها رسالة عدوانية واضحة، لكنها في الوقت ذاته تكشف ضحالة من أرسلها، وعجزه عن المواجهة الصريحة، فلجأ إلى أساليب الجبناء.
قوة الصبيحة لم تكن يومًا وليدة اللحظة، ولا قائمة على ردود أفعال متسرعة. هي قوة متجذرة في الوعي الجمعي، وفي تاريخ طويل من ضبط النفس حين يكون الصبر واجبًا، والحسم حين يصبح الصمت تواطؤًا. ومن يظن أن ضبط النفس ضعف، أو أن التعقّل تراجع، فهو يسيء فهم المعادلة بالكامل.
الرد الحقيقي على القتلة والمجرمين لا يكون بالفوضى، ولا بجرّ المجتمع إلى دائرة العنف المفتوح، بل بتثبيت الموقف، وتوحيد الصف، ورفع الغطاء الاجتماعي والأخلاقي عن كل من تورّط أو حرّض أو برّر. فالجريمة لا تُهزم فقط بالسلاح، بل تُهزم حين تُعزل، وتُسمّى باسمها الحقيقي، ويُغلق أمامها أي ممر شرعي أو اجتماعي.

إن استهداف موكب الشيخ حمدي هو استهداف لقيم الاستقرار، ومحاولة يائسة لضرب رمزية اجتماعية لها وزنها ومكانتها. لكن التاريخ القريب والبعيد يؤكد أن الصبيحة حين تُستفز لا تفقد بوصلتها، وحين تُهدَّد لا تتخلى عن عقلها، بل تُحسن اختيار لحظة الرد وشكله ومعناه.
وهنا لا بد من التأكيد:
الصبيحة لا تبحث عن التصعيد، لكنها لا تقبل الإهانة.
ولا تسعى إلى الصدام، لكنها لا تسمح بتكريسه واقعًا مفروضًا.
ومن ارتكب الجريمة عليه أن يدرك أن الحساب قد يتأخر، لكنه لا يسقط.
في زمن تختلط فيه الأصوات، تبقى الحكمة الحقيقية هي الجمع بين القوة والمسؤولية، وبين الحق والصبر، وبين الردع والعدل. وهذه هي المعادلة التي أتقنتها الصبيحة، وستبقى.