بين النوايا والنتائج: رسالة مفتوحة إلى الوفد الجنوبي حول مخاطر المسار السياسي
(أبين الآن) كتب | العميد نبيل الحنشي
إلى الإخوة في الوفد الجنوبي:
لا أحد يشك في نواياكم، غير أن السياسة لا تُقاس بالنوايا ولا بالوعود، بل بالنتائج وبالبيئة التي يُدار فيها المسار.
فالمسار القائم لا يبدو مجرد حوار بين أطراف جنوبية، بل أقرب إلى إعادة تشكيل لمعادلة التمثيل نفسها. وما يحدث عمليًا هو نقل القضية من حالة «كيان صاحب قضية» إلى حالة «أطراف داخل قضية»، أي تحويل الجنوب من طرف سياسي محدد إلى ساحة نقاش مفتوحة بلا حامل واضح.
وعندما يُسحب الغطاء السياسي والعسكري عن أي قضية، فإنها لا تُحلّ، بل تُدار. وحين يصبح الجميع ممثلين، لا يعود أحد ممثلًا.
ومن هنا تبرز ضرورة التوقف عند جوهر المسألة:
هل أنتم طرف تفاوضي واضح، أم مجرد حضور أفراد داخل عملية هندسة سياسية خاصة تُدار من الرياض؟
إن وجودكم كأفراد، مهما كانت مكانتكم، يختلف جذريًا عن وجودكم كامتداد لكيان سياسي وعسكري واضح المعالم؛ فالأفراد يمكن جمعهم، وتبديلهم، وتوسيعهم، وإضافة غيرهم إليهم، أما الكيان فلا يمكن تجاوزه إلا بتفكيكه أولًا… وهذا ما يبدو أنه يحدث.
إن تفكيك المرجعية لا يستهدف إنهاء القضية، بل تحويلها إلى ملف قابل للإدارة والتحكم. فالفراغ السياسي والعسكري ليس حالة عابرة، بل أداة؛ وفي ظل الفراغ يصبح القرار بيد من يدير المسار، لا بيد من يحضر الجلسة أو يشارك في الحوار.
وعند هذه النقطة، يتحول المشاركون، من حيث لا يشعرون، من ممثلين لقضية إلى عناصر ضمن ترتيبها الجديد.
اسألوا أنفسكم بوضوح:
هل لديكم تعريف محدد لطبيعة الحوار؟
ولأطرافه؟
ولمنهجه؟
ولسقفه الزمني؟
ولنتائجه الملزمة؟
أم أن الحضور يسبق المعرفة؟ وهنا تكمن الخطورة، حين يدخل المرء معركة لا يعرف أبعادها ولا شروطها.
إنكم اليوم لا تتحملون مسؤولية قرار فحسب، بل مسؤولية شكل المرحلة التي ستنشأ بعده؛ لأن أخطر القرارات التاريخية ليست تلك التي تُفرض بالقوة، بل تلك التي تُصنع في ظروف غامضة وتُمرَّر تحت عنوان «المشاركة».
ولهذا، وقبل الاستمرار في أي مسار، ينبغي الإجابة بوضوح:
هل أنتم تفاوضون على قضية… أم يُجري التفاوض بكم داخلها؟
فالوضوح هنا ليس ترفًا سياسيًا، بل شرطٌ من شروط بقاء القضية نفسها.
/العميد نبيل الحنشي اركان حرب اللواء الثالث مشاة


