حكومة اليمن الجديدة... قراءة في تحديات المرحلة الراهنة
تولّت الحكومة اليمنية الجديدة التي أُعلن عن تشكيلها في مطلع فبراير 2026 برئاسة الدكتور شائع الزنداني مهامها في توقيتٍ يُوصف بأنه الأكثر تعقيداً في تاريخ البلاد المعاصر. وتسلمت تركةً مثقلة بالأزمات التي تتجاوز في تعقيدها مجرد "إدارة أزمة" لتصل إلى مرحلة "إنقاذ الكيان الوطني". إن قراءة المشهد اليمني الراهن تستوجب تجاوز النظرة السطحية للأزمات، والغوص في عمق التحديات الهيكلية التي تواجه هذه الحكومة، والتي تبدأ من الملف الاقتصادي الذي ظل هو التحدي الأبرز في وجه كل الحكومات السابقة. إن المعركة الحقيقية والأبرز التي سيخوضها رئيس الحكومة مع فريقه ستدور في ردهات البنك المركزي ودهاليز الموازنة العامة، حيث تبرز قائمة من التحديات الاقتصادية الحرجة التي تتطلب حلولاً جراحية عاجلة لا تحتمل التأخير. يجب أن تخوض الحكومة هذا التحدي وتصب كل جهودها في سرعة العمل على تصدير النفط والغاز حيث أن البيانات المتوفرة تشير إلى خسائر تراكمية تجاوزت 7.5 مليار دولار منذ توقف التصدير في أواخر 2022. ومع فقدان الحكومة السابقة لـ 90% من موارد النقد الأجنبي، فقد جعلت قدرتها على تمويل الاستيراد ودعم العملة في أدنى مستوياتها التاريخية، مما يجعل استئناف التصدير من "المسيلة" و"بلحاف" أولوية أساسية تضع الحكومة أمام تحد حقيقي يختبر قدرتها في الانتقال من "مربع الاستجابة للطوارئ" إلى "مربع التنمية المستدامة" وكسر حلقة الاعتماد على المنح وتأمين تدفقات نقدية مستقرة تضمن انتظام الرواتب وكبح انهيار العملة وتحويل هذه الموارد إلى محرك لقطاع الخدمات، لاسيما الكهرباء والصحة.
هذا التحدي الاقتصادي يتوازى مع معضلة الانسجام السياسي والعسكري داخل منظومة الشرعية؛ فالحكومة تعمل تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي الذي يجمع تيارات متنوعة، مما يضعها أمام اختبار دائم لتوحيد القرار ودمج التشكيلات الأمنية والعسكرية تحت غرفة عمليات مشتركة واحدة.
ومن مجمل تحديات كثيرة يبرز تحدي العودة والتمكين في العاصمة المؤقتة عدن كحجر زاوية لا يمكنها الوقوف بدونه، بالإضافة إلى أن ممارسة الحكومة لأعمالها من قلب عدن سيكون هو الامتحان الأقوى لتجاوز الاحتقانات السياسية والأمنية التي تفرضها القوى الفاعلة على الأرض، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي. وهي مهمة تتطلب موازنة دقيقة بين الحزم في تطبيق القانون وبين سياسة "الاحتواء" لمنع أي صدام قد يعصف بما تبقى من استقرار في المحافظات الجنوبية.
التحدي الجوهري يكمن في مدى قدرة الحكومة على تحويل عدن من ساحة للتجاذبات السياسية إلى مركز انطلاق حقيقي لإدارة الدولة، وهو أمر يرتبط بشكل وثيق بمدى جدية القوى المحلية في الانخراط ضمن مشروع الدولة الاتحادية.
وعلى صعيد آخر، يظل التعنت في مواقف جماعة الحوثي عائقاً أمام أي تسوية سياسية قريبة، مما يضع الحكومة أمام خيارات دبلوماسية محدودة للتعامل مع واحد من أهم الملفات تعقيدا على الصعيد السياسي. وكما أن الخيار العسكري سيظل مفتوحا أمام هذا التعنت والمراوغة التي تبديها جماعة الحوثي واستمرارها في تدمير الهوية اليمنية، فإن الكلفة تتضاعف والمسؤولية تكبر، وهو أمر يفرض على الحكومة الجديدة العمل بوتيرة قصوى لمواجهة كافة هذه التحديات والتغلب عليها.
ورغم قتامة هذا المشهد وتعدد جبهات الصراع، تبرز الفرصة التاريخية التي تحظى بها هذه الحكومة دوناً عن سائر الحكومات السابقة، وهي فرصة متمثلة في "الدعم المطلق واللامحدود من الأشقاء في المملكة العربية السعودية". هذا الدعم لا يتوقف عند حدود المساندة السياسية التقليدية، بل يتجاوزه ليكون الضامن الأساسي للاستقرار الاقتصادي والسياسي؛ فالمملكة اليوم تضع كل ثقلها الدبلوماسي والاقتصادي خلف هذه الحكومة من خلال الودائع المالية، ومنح المشتقات النفطية، ومشاريع الإعمار التي ينفذها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.
إن ما يميز هذه اللحظة هو تحول الدعم السعودي إلى رؤية استراتيجية شاملة تهدف إلى تمكين الحكومة من الوقوف على قدميها، وهو ما يمنحها شرعية أداء قوية أمام المواطن اليمني. ويأتي هذا الدعم السعودي ليقود ويُحفز الإجماع الإقليمي والدولي غير المسبوق؛ فلأول مرة، تجد الحكومة نفسها مدعومة بآليات تنسيق دولية تعتبر استقرار مؤسسات الدولة اليمنية مصلحة عالمية مرتبطة بأمن الممرات المائية والاقتصاد الدولي.


