السعودية سند اليمن

تُمثّل العلاقة السعودية اليمنية نموذجاً فريداً في الجغرافيا السياسية، حيث تتجاوز حدود الجوار التقليدي لتصل إلى مرحلة الترابط العضوي في الأمن والمصير. وفي خضم الأزمات المركبة التي عصفت بالدولة اليمنية منذ عام 2014، برز الدور السعودي كركيزة أساسية لمنع الانهيار الشامل، ليس فقط من خلال التحرك السياسي لاستعادة الشرعية، بل عبر رؤية إستراتيجية شاملة توازن بين الدعم الدبلوماسي، والإنقاذ الاقتصادي، والبناء التنموي المستدام.

إن الموقف السياسي السعودي تجاه اليمن استند منذ البداية إلى رؤية واضحة تهدف إلى الحفاظ على كيان الدولة موحداً ومستقراً، وهو ما تجلى في التمسك بالمرجعيات الثلاث (المبادرة الخليجية، مخرجات الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن 2216). ولم يكن هذا التمسك مجرد موقف نظري، بل تُرجم عملياً عبر رعاية "اتفاق الرياض"، وصولاً إلى الخطوة المفصلية في أبريل 2022 بتيسير مشاورات الرياض التي أفضت إلى تشكيل مجلس القيادة الرئاسي. هذا الحراك الدبلوماسي المكثف يهدف بالأساس إلى خلق جبهة يمنية متماسكة قادرة على قيادة البلاد نحو سلام دائم، وبالمقارنة مع أطراف إقليمية أخرى اتخذت من اليمن ساحة لخدمة أجندات توسعية أو لتهديد أمن الملاحة الدولية، نجد أن التوجه السعودي ركز على "يمننة الحل" ودعم المؤسسات الشرعية لتمكينها من بسط سيادتها، مما يعكس فارقاً جوهرياً بين الدعم الذي يبني الدولة والدعم الذي يغذي الانقسام.

وتتجلى حكمة الدبلوماسية السعودية في نهجها وسلوكها تجاه كافة الفرقاء والمكونات اليمنية؛ إذ ترفض المملكة الانزلاق إلى تعميق الخلافات البينية أو الانحياز لطرف على حساب آخر داخل نسيج الشرعية، بل تتصرف انطلاقاً من مسؤولية "الجار العزيز" و"الأخ الشقيق" الذي يقف على مسافة واحدة من الجميع لجمع الكلمة. هذه السياسة المتزنة تهدف إلى تغليب المصلحة الوطنية العليا لليمن على الحسابات الفئوية الضيقة، حيث تسعى الرياض دوماً لتكون "المظلة" التي يستظل بها اليمنيون للحوار، معتبرة أن استقرار بيت الجار هو استقرار لبيتها، وأن دورها كشقيق يفرض عليها الترميم لا الهدم، والتقريب لا التفريق، بعيداً عن التدخل في التفاصيل السيادية التي تخص خيارات الشعب اليمني وحده.

وعلى الصعيد الاقتصادي، الذي يُعد الاختبار الحقيقي لمدى التزام الحلفاء، قدمت المملكة العربية السعودية نموذجاً للاستجابة السريعة لمواجهة تهاوي العملة الوطنية. فمن خلال الودائع النقدية في البنك المركزي اليمني (والتي شملت دفعات حيوية في الأعوام 2018، 2022، و2024)، تمكنت الدولة من كبح جماح التضخم وتغطية اعتمادات استيراد السلع الغذائية الأساسية كالقمح والسكر، مما حال دون وقوع مجاعة شاملة. ولم يقتصر الأمر على السيولة النقدية، بل امتد ليشمل دعم الموازنة العامة للدولة بتقديم مئات الملايين من الدولارات المخصصة لدفع رواتب الموظفين في القطاعات الحيوية، وضمان استمرارية عمل المرافق العامة، وهو إجراء يمس مباشرة معيشة المواطن اليمني بعيداً عن صخب الجبهات العسكرية.

وبالتوازي مع هذا الإنقاذ المالي، انتقلت الإستراتيجية السعودية من مرحلة "الإغاثة الطارئة" إلى "التنمية المستدامة" عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن. وبخلاف المساعدات المؤقتة التي تقدمها بعض المنظمات الدولية، ركز البرنامج السعودي على البنية التحتية الصلبة، حيث نفذ أكثر من 260 مشروعاً في 8 قطاعات حيوية. ومن أبرز النماذج العملية في هذا السياق، منحة المشتقات النفطية المنتظمة التي أمنت تشغيل محطات الكهرباء بانتظام وخففت العبء المالي الهائل عن كاهل الحكومة، إضافة إلى مشاريع نوعية مثل "مدينة الملك سلمان الطبية والتعليمية" في المهرة، وإعادة تأهيل مستشفى عدن العام، وتطوير مطار عدن الدولي ومطار الغيضة، وهي شرايين حيوية أعادت ربط اليمن بالعالم الخارجي تجارياً وإنسانياً.

أما في الجانب الإنساني، فقد تصدرت المملكة قائمة الدول المانحة لليمن عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، مغطيةً أكثر من 40% من احتياجات خطة الاستجابة الأممية. ويتجلى الفارق النوعي في الدعم السعودي من خلال مشروع "مسام" لنزع الألغام، الذي استطاع نزع مئات الآلاف من الألغام التي زرعت في المزارع والقرى، محولاً الأرض من حقول للموت إلى مساحات صالحة للحياة والإنتاج.

ختاماً، تُظهر القراءة التحليلية للمشهد اليمني أن أثر الدعم السعودي يتجاوز الأرقام المادية؛ فهو يمثل "شبكة أمان" منعت انزلاق اليمن نحو حالة "الدولة الفاشلة". وبينما قدمت أطراف أخرى السلاح والأيديولوجيا المزعزعة للاستقرار، قدمت المملكة الودائع البنكية، والمستشفيات، والمدارس، والجسور الدبلوماسية نحو السلام. إن استقرار اليمن يظل الأولوية القصوى في الإستراتيجية السعودية، باعتباره الركيزة الأساسية لأمن المنطقة ومستقبلها، وهو ما يجعل من الدور السعودي سنداً لا غنى عنه لتعافي اليمن واستعادة سيادته وتنميته.