السقوط الأول للإنسان ... بخطة لا بخطيئة ..

لم تكن معصية آدم عليه السلام حدثًا عابرًا في تاريخ الوجود الإنساني، بل كانت — في جوهرها — أول مواجهة استراتيجية بين الحق والباطل، وأول نموذج لتخطيط طويل المدى قاده إبليس لإغواء البشر وإخراجهم من دائرة الطاعة إلى مساحات السقوط والتجربة والخطيئة.
فمنذ اللحظة الأولى، لم يتحرك إبليس بدافع انفعالي أو رد فعل مؤقت بل أدار مشروعًا متكامل الأركان لا يمكن قراءته اليوم إلا بمنطق التخطيط الاستراتيجي الحديث : {رؤية واضحة، رسالة محددة، وسائل مرنة، وأهداف مرحلية تقود إلى غاية كبرى}
-رؤية إبليس :
 إغواء شامل بلا استثناء
عبّر عنها صراحة بقوله :
«لأغوينهم أجمعين»
وهي رؤية تقوم على (الشمول، الاستمرارية) .
-رسالة إبليس :
وسوسة مجانية للبشر والجن كما قال تعالى: " فوسوس له الشيطان" 
وهي أداة ناعمة فحواها (التشكيك، الإغراء، التبرير والتزيين)
-أدواته التكتيكية :
(مرونة في الأسلوب
، صبر ، طول النفس ، استغلال نقاط الضعف البشرية ، إظهار النصح بدل العداء ، ترتيب دقيق للأولويات
،متابعة ، تقويم)
ومن هنا يمكن التوقف عند {أربع} من المحطات الهامة : الأولى :
وهي الضربة
الافتتاحية في الجنة حيث بدأ إبليس عملياته باستهداف نقطة الضعف الإنسانية المتمثلة بحب الخلود والطموح للملك الدائم
ولم يأتِ بالأمر المباشر بل استخدم أسلوب الإغراء الذكي :
«هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى»؟!
إستخدم صيغة استفهام ظاهرها النصح وباطنها الاستدراج وهذا الأسلوب لا يترك للمتلقي سوى الانجذاب والموافقة ويزرع الرغبة قبل التفكير في العاقبة هادفا إلى :
-التشكيك في الأمر الإلهي
-تجريد آدم من أوراق القوة
-فك ارتباط آدم بالموطن الأصلي (الجنة)
-إلباس الباطل ثوب النصيحة
فكانت النتيجة عبارة عن السقوط الأول لآدم .

الثانية : الهبوط المشترك والفرصة الجديدة
وقد جاء الطرد مصحوبًا بالتوبة والابتلاء في آن واحد
ثم هبط الإنسان إلى الأرض ضمن معادلة واضحة (هداية إلاهية دائمة في مقابل غواية شيطانية مستمرة)
الثالثة :
تثبيت المشروع طويل الأمد حيث
لم يكتفِ إبليس بالفعل بل أعلن برنامجه أمام ربه مستخدمًا أقوى أدوات التوكيد اللغوي محمّلًا "الله" مسؤولية غوايته في خطاب مقلوب الحقائق ! ثم طلب تمديد العمر إلى يوم القيامة ليضمن استمرارية مشروعه
لكنه لم يُمنح ما أراد كاملًا بل أُمهل إلى وقت معلوم… لكن ذلك كان كافيًا لإطلاق أوسع حملة إغواء عرفتها البشرية ..

الرابعة:
النتيجة المحتومة
رغم وضوح المصير منذ البداية حيث مضى إبليس في مشروعه مدركًا أن الخسارة النهائية واقعة، لكنه راهن على أكبر عدد ممكن من الضحايا كما صرّح لاحقًا بندمه المتأخر بعد انقضاء الأمر .

من هنا تظل قصة إبليس في الجنة نموذجا حيا لصراع الإرادات وليست مجرد رواية دينية فحسب !
 والواضح أنه من خلال التخطيط ثبت أن الانحراف لا يبدأ بالقوة بل بالأساليب الناعمة وبالخطوة الصغيرة ! وأن أخطر المعارك تخاض بالأفكار والرغبات والتشكيك وليس ببندقية القتل !
 وليت العربي على وجه الخصوص يعرف بأنه لا يمكن أن يهزم حين "يُجبر على الخطأ بل حين يُقنع بأن الخطأ خيار جميل"

ليبقى السؤال :
أكووو عرب ؟!