الخليج بين الاستهداف والشماتة
في كل مرة تتعرض فيها دول الخليج لهزة سياسية أو أمنية أو إعلامية، لا يكون التحدي في الحدث نفسه فقط، بل في الطريقة التي يستقبل بها عربيًا. فبدل أن يسود منطق التضامن أو حتى النقد المسؤول، يظهر صوت آخر؛ صوت الشماتة الباردة التي تتخفى أحيان خلف شعارات المظلومية أو ادعاء الحياد.
حين نتحدث عن الخليج فنحن نتحدث عن دول مثل السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين؛ دول اختارت خلال عقود أن تستثمر في الاستقرار، وتبني اقتصادًا متنوعًا، وتخطط للمستقبل بلغة الأرقام لا الشعارات. قد نختلف مع بعض سياساتها، وقد ننتقد خياراتها، لكن لا يمكن إنكار أنها أصبحت مركز ثقل اقتصادي ومالي وإعلامي في المنطقة.
المفارقة أن جزءًا من ردود الفعل العربية لا ينطلق من تحليل سياسي بقدر ما ينبع من شعور مكبوت بالمقارنة. شعوب أنهكتها الأزمات ترى في أي اضطراب خليجي (عدالة مؤجلة) أو (توازنًا مفقودًا)، وكأن نجاح دولة ما أصبح استفزاز لغيرها. وهنا تتحول الأزمة من حدث عادي إلى فرصة تنفيس نفسي، حتى لو كان الثمن هو إضعاف ما تبقى من فكرة المصير المشترك.
لكن الحقيقة الصلبة تقول إن أي ضرر كبير يصيب الخليج لا يبقى داخل حدوده. ملايين العرب يرتبطون به عملًا واستثمارًا وتحويلات مالية.
أسواقه جزء من حركة الاقتصاد العربي. استقراره عنصر في معادلة توازن إقليمي معقد. لذلك فإن الشماتة ليست موقف أخلاقي فحسب، بل خطأ سياسي واقتصادي أيضًا.
الخليج ليس معصوم من النقد، ولا فوق المساءلة، لكن الفرق كبير بين نقد يهدف للإصلاح، وشماتة تتمنى الانهيار. الأول يعكس وعيًا ومسؤولية، والثاني يعكس أزمة نفسية وسياسية أعمق من الحدث نفسه.
في هذا الزمن تتكاثر فيه الصراعات وتتصاعد فيه الاستهدافات، يبقى السؤال: هل نريد منطقة ينهار فيها الناجح ليشعر المتعثر بالراحة المؤقتة؟ أم نريد نموذج يتوسع فيه الاستقرار ليشمل الجميع؟
الخليج اليوم بين الاستهداف الخارجي والشماتة الداخلية، لكنه أيضًا اختبار حقيقي لمدى نضج الوعي العربي… فإما أن نرتقي بفكرة المصير المشترك، أو نستمر في استنزاف بعضنا بعضًا حتى لا يبقى ما يُتشفى به.


