الزراعة بين طموح المزارعين وقيود الإجراءات
في حضرة الأرض، حيث تتنفس الحياة من بين حبيبات التراب، وتُكتب حكايات الصبر بعرق المزارعين، تظل الزراعة أكثر من مجرد مهنة… إنها شغفٌ متجدد، وأملٌ لا ينطفئ. هناك، في الحقول الممتدة، يولد الطموح مع كل موسم، ويكبر مع كل بذرة تبذر ومع كل شتلة تغرس انتظارًا لغدٍ أكثر خصبًا وازدهارًا.
لكن هذا الطموح، رغم نقائه، كثيرًا ما يجد نفسه محاصرًا بين قيودٍ لا تشبه الأرض ولا تنتمي لروحها..
قيود تُبطئ الخطى، وتثقل كاهل التجربة، وتضع الحلم الزراعي في مواجهة واقع يحتاج إلى مراجعة وإعادة نظر.
فبين رغبة المزارع في التطوير، وسعيه لاكتشاف أصناف جديدة تُثري الإنتاج وتدعم الأمن الغذائي، وبين تعقيدات الإجراءات وتناقضاتها، تتشكل فجوةٌ تستحق أن تُروى، لا كقصة معاناة فقط، بل كدعوةٍ صادقة لإعادة التوازن بين الحماية والتنمية، وبين النظام والابتكار.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع الزراعي عالميًا، لم يعد مقبولًا الاستمرار في الأساليب التقليدية أو الوقوف عند حدود ما هو قائم، في وقت أصبحت فيه التجارب الزراعية وإدخال الأصناف المحسّنة أساسًا لأي نهضة زراعية حقيقية. وفي بلادنا، يوجد مزارعون يمتلكون الوعي والطموح والقدرة على الإسهام في تطوير هذا القطاع الحيوي، من خلال استيراد بذور محسّنة، وشتلات فاكهة، وفسائل نخيل، بل وحتى الأنسجة النباتية النادره بهدف إجراء تجارب مدروسة لتقييم مدى نجاحها في بيئتنا المحلية. وهي ممارسات علمية مشروعة تمثل المدخل الحقيقي للتنويع الزراعي وتحسين الإنتاج.
ازدواجية المعايير وواقع يعيق التطوير
غير أن هذه الطموحات تصطدم بإجراءات معقدة وغير منصفة في المنافذ المختلفة، حيث يتم منع إدخال حتى الكميات المحدودة المخصصة للتجارب، بذريعة الخوف من إدخال الآفات والأمراض، في حين يُسمح وبسهولة بدخول مدخلات زراعية أخرى، بعضها محظوره دوليًا، دون رقابة حقيقية.
هذا التناقض يكشف خللًا واضحًا في التطبيق، ويؤكد أن الإشكالية ليست في وجود القوانين، بل في غياب التوازن في تنفيذه
قصة واقعية عند ما يُعاقب الاجتهاد
ولعل من أبرز الأمثلة التي تعكس هذا الواقع، قصة صديقي المزارع قبل أكثر من 15 عامًا تقريبا ، والذي قام بدافع التجربة والتطوير وحب الاستطلاع باستيراد عدد محدود جدًا من الشتلات، لا يتجاوز عددها عشر شتلات من الأفوكادو وعشر شتلات من الأناناس، وعدد بسيط متنوع من شتلات الفاكهه النادره
تم شحنها من الهند بواسطة صديق له
الطرد كان عباره عن كرتون صغير
وصلت الشحنة إلى مطار صنعاء الدولي، وتم التواصل مع صاحبها، الذي كان يقيم في محافظة أبين، فتكلّف عناء السفر إلى صنعاء لاستلامها. لكنه تفاجأ بإجراء صادم
إذ طُلب منه التوقيع على إتلاف الشحنة بالكامل، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أُلزم بدفع تكاليف الوقود المستخدم في عملية إحراق تلك الشتلات!
حادثة كهذه لا تعكس فقط تعقيد الإجراءات، بل تعكس غياب التقدير لأي جهد يسعى للتجربة والتطوير، وتبعث برسالة سلبية لكل مزارع يفكر في الابتكار أو التطوير أو حتى الابداع والنجاح ...
نماذج نجاح تؤكد أهمية التجربة
وفي المقابل، لدينا نماذج وطنية ناجحة تؤكد أن إدخال الأصناف النباتية الجديدة يمكن أن يحقق نتائج متميزة عندما تتوفر البيئة المناسبة.
ولنا في تجربة القمندان مثال حي، حيث قام بإدخال العديد من النباتات وزراعتها في منطقة الحسيني، ولا تزال تلك الزراعات قائمة حتى اليوم، وقد أثبتت نجاحها بشكل لافت، مما يؤكد أن التجربة الزراعية الواعية يمكن أن تتحول إلى قصة نجاح مستدامة تخدم الأجيال.
الحاجة إلى إصلاح حقيقي وشامل
إن حماية الزراعة المحلية لا تعني إغلاق الأبواب أمام التجارب، بل تعني تنظيمها وإدارتها وفق أسس علمية. فالتطوير الزراعي لا يأتي إلا عبر التجربة، والتجربة تحتاج إلى بيئة مرنة ومنظمة في آنٍ واحد.
ومن هنا، فإن الإصلاح المطلوب يتمثل في...
-تفعيل دور الحجر الزراعي بشكل مهني قائم على الفحص العلمي، لا المنع المطلق.
-وضع آليات واضحة تتيح إدخال كميات محدودة لأغراض البحث العلمي والتجربة تحت إشراف مختص.
-منح تصاريح منظمة للمزارعين الجادين، مع متابعة وتقييم النتائج.
-تشديد الرقابة على المدخلات الضارة أو المحظورة، بدلًا من التضييق على المفيد منها.
الزراعة مسؤولية وطنية
ورؤية يجب أن تتجدد
إن استمرار الوضع الحالي يعني تعطيل فرص حقيقية للتنمية الزراعية، وإبقاء المزارع في دائرة محدودة من الخيارات، في وقت يتجه فيه العالم نحو التنوع والابتكار.
إننا بحاجة إلى إرادة حقيقية تعيد الاعتبار للبحث الزراعي، وتمنح المزارع الثقة والدعم، وتفتح المجال أمام إدخال الأصناف التي أثبتت نجاحها في بيئات مشابهة.
ويبقى السؤال قائمًا.....
متى نرى بيئة زراعية داعمة للتجربة والابتكار؟
ومتى نحتفي بنجاحات زراعية جديدة ناتجة عن جهود مزارعين أُتيحت لهم الفرصة بدلًا من أن تُغلق الأبواب في وجوههم؟
رسالتي للجميع باحثين ومزارعين
تذكرو دائما ....
ان التجربة المدروسة هي أساس النجاح الزراعي، فلا تتردد في التعلم وإدخال الجديد، لكن احرص على التوثيق والمتابعة، فكل تجربة ناجحة اليوم قد تكون مشروعًا وطنيًا ناجحًا في الغد.
عبدالقادر السميطي
دلتا أبين
5مارس26م


