ألأمان الذي تبحث عنه المرأة

بقلم: حسن الكنزلي

في زحام الحياة، وكثرة الانشغالات، وتسارع الايام؛ قد ينسى بعض الرجال ان المرأة لا تبحث في زواجها عن بيت واسع فحسب، ولا عن نفقة تسد بها الحاجة فقط؛ بل تبحث قبل ذلك كله عن "سكن"  يطمئن اليه قلبها، وعن أمان يلتف حول روحها كما يلتف الجدار حول البيت.

القرآن لخص فلسفة الزواج في كلمة واحدة: ﴿لتسكنوا اليها﴾؛ فالسكن ليس اثاثا، ولا صورا على الجدران، ولا مظاهر أمام الناس. السكن شعور عميق بأن هذا الرجل مامَن لا مخافة فيه، وملجأ لا تهديد خلفه.

المرأة لا تخدع طويلا بالكلمات الجميلة إذا ناقضها السلوك اليومي. الأمان يبدأ من التفاصيل الصغيرة: من نظرة مصونة، ومن وفاء قلب، ومن استقامة رجل اذا غابت عنه عين الناس؛ لم تغب عنه عين الله.
غض البصر، وضبط العلاقات، والابتعاد عن مناطق الشبهة، ليست تشددا اخلاقيا؛ بل هي رسائل طمأنينة صامتة تقول لها: "انت لست مهددة في قلبي". وحين يخطئ الرجل ثم يعتذر، لا تسقط هيبته؛ بل تكبر في عينها؛ لان الاعتذار اعتراف بالشراكة، لا إعلان ضعف.
والبيوت التي تحفظ اسرارها، وتصان خصوصياتها، بيوت قابلة للحياة. أما التي تتحول اخبارها الى مادة مجالس؛ فسرعان ما تفقد الثقة، واذا فقدت الثقة؛ تصدع السكن.

لا يوجد بيت بلا خلاف؛ لكن الفرق كبير بين خلاف يدار بحكمة، وخلاف يدار بانفعال؛ فبعض الازواج إذا غضب؛ رفع صوته، وإذا احتد؛ لوح بالهجر أو الطلاق، وكان العلاقة ورقة قابلة للتمزيق عند كل نزاع!

المرأة لا تخاف من وجود مشكلة؛ بل تخاف من طريقة التعامل معها. تخاف من كلمة جارحة لا تنسى، ومن تهديد يزرع فيها شعورا دائما بعدم الامان.

الحوار الهادئ، وتأجيل النقاش حتى يهدأ الغضب، والاتفاق المسبق على آلية عادلة لحل النزاعات؛ كلها أدوات بسيطة، لكن أثرها عميق؛ فحين تشعر أن خلافا عابرا لن يهدم البيت، يثبت في داخلها جدار الطمأنينة.

من حق المرأة أن تشعر أن زوجها يعتز بها أمام الناس، يذكر محاسنها، ويدافع عنها إذا ظلمت، ولا يسمح أن تكون هدفا لسخرية أو تقليل من شأن.
وبعض الرجال يظن أن الرجولة صمت عاطفي دائم، أو جفاء مقصود؛ بينما الحقيقة أن أرقى صور الرجولة أن تقول أمام الناس: "انا ممتن لوجودها في حياتي". الاعتزاز لا ينقص الهيبة؛ بل يزيدها.
كما أن ادماج الزوجة باحترام في محيط الاسرة، وحمايتها من الاذى المعنوي، وصيانة سمعتها في حضورها وغيابها؛ كلها تفاصيل تشكل في مجموعها شعورا عميقا بالأمان الاجتماعي.

الجدية في تحمل النفقة، والتخطيط للمستقبل بروح الشراكة، وادارة الموارد بحكمة وعدل، ليست ارقاما في دفاتر؛ بل احساسا داخليا بالاستقرار؛ فالمرأة قد تصبر على ضيق ذات اليد؛ لكنها تتعب من الفوضى، ومن غياب الرؤية، ومن شعورها أن الغد مجهول بلا تخطيط. حين ترى زوجها يتحمل مسؤولياته بجد، ويشعرها ان البيت يسير وفق خطة، لا وفق مزاج؛ يهدأ قلقها.

ليس العنف رجولة، ولا الصراخ قوة؛ القوة الحقيقية أن يملك الرجل نفسه عند الغضب، وأن يحول طاقته الى حكمة، لا إلى أذى.
والبيت الذي يخلو من الإهانة قولا، ومن الاعتداء فعلا؛ بيت صالح للنمو النفسي. أما البيت الذي تكسر فيه القلوب تحت ضغط العصبية، فيزرع الخوف بدل السكينة.

الزواج ليس تجربة عابرة؛ بل امانة ومسؤولية؛ فحين يستحضر الزوج انه مسؤول امام الله عن هذه المرأة؛ تتغير طريقة تفكيره، ويصبح العدل والرحمة خيارا دائما، لا موقفا عابرا.
وربط العلاقة بالله، وتعزيز البعد الإيماني في البيت؛ يضفي على الحياة الزوجية معنى أعمق من مجرد شراكة دنيوية. إنه يحولها الى طريق مشترك نحو رضا الله.

حين تجد المرأة هذا الامان؛ تستقر نفسيا وعاطفيا، ويصبح البيت اكثر تماسكا، وينشأ الابناء في بيئة متوازنة. والاعجب أن الرجل نفسه هو أول المستفيدين؛ إذ يجد سكينة تعود إليه من قلبها المطمئن.
والمجتمع القوي لا يبدأ من الشعارات الكبرى؛ بل من بيت صغير مستقر. فإذا صلحت الاسرة؛ صلح البناء كله.

فالأمان الذي تريده المرأة ليس ترفا عاطفيا، ولا مطلبا مثاليا بعيدا عن الواقع؛ بل هو رسالة شرعية، ومسؤولية رجولية، تبنى بالثبات، وتحفظ بالرحمة، وتنمى بالعدل. وحين يصدق الرجل في ذلك؛ لا يمنح زوجته سكنا فحسب؛ بل يبني لنفسه بيتا من الطمأنينة لا تهزه العواصف.
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾
ودامت دياركم عامرة بالسكينة والحب والطمأنينة!