حين تُدار الأوطان بوصاية خارجية !!!
المتأمل في واقعنا العربي والإسلامي يلحظ مفارقة تكاد تكون جارحة في وضوحها..
فثمة دولٌ ترفع أعلام الاستقلال عاليًا، وتملأ الفضاء بخطاب السيادة، غير أن حركتها الفعلية تبدو وكأنها تدور داخل دوائر رُسمت حدودها خارج إرادتها.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تحالفاتٍ دولية، فهذه سُنَّة السياسة بين الدول، وتوازنٌ طبيعي في عالم المصالح المتشابكة؛
لكن القضية – في نظر كثير من النقاد والمفكرين – أعمق من ذلك بكثير، إذ تتصل بنمطٍ من التبعية البنيوية التي جعلت بعض الأنظمة أقرب إلى الوظيفة السياسية منها إلى الدولة ذات السيادة.
فالمأساة في حقيقتها لا تكمن في فقر الموارد، ولا في عجز الشعوب، ولا في ندرة العقول القادرة على البناء…
بل تكمن في ذلك الفراغ العميق الذي ينشأ حين تغيب الإرادة السياسية المستقلة، فتتحول السلطة من تعبيرٍ عن إرادة الأمة إلى امتدادٍ لمراكز النفوذ الدولية، أو إلى قطعةٍ صغيرة في لوحة المصالح الكبرى التي تُدار من وراء الحدود.
إن المتتبع لتاريخ كثير من الأنظمة في العالم العربي والإسلامي يدرك أنها لم تتشكل في لحظات الاستقرار الوطني الهادئ، بل وُلدت غالبًا في أزمنة الاضطراب الكبرى...
زمن الانقلابات العسكرية، وصراعات الحرب الباردة، ومساومات القوى الكبرى، وتوازنات النفوذ الدولية.
وفي مثل هذه اللحظات لا تُرسم خرائط السلطة بإرادة الشعوب وحدها، بل تتداخل فيها حسابات الاستخبارات الدولية، فتُحرَّك الخيوط من خلف الستار، ويُدعم أشخاص أو تيارات يُظن أنها الأقدر على حماية المصالح الاستراتيجية للقوى المتنفذة.
ومع مرور الزمن تتكرس هذه المعادلة، فتتحول بعض الأنظمة – من حيث تدري أو لا تدري – إلى حارسٍ لمصالح الخارج أكثر من كونها ممثلًا صادقًا لإرادة الداخل.
ويصبح بقاؤها في الحكم مرهونًا بميزان الرضا الدولي قبل أن يكون مرهونًا بثقة شعوبها.
ومن هنا يبدأ التحول الأخطر في طبيعة الدولة:
فبدلًا من أن يكون الحاكم مسؤولًا أمام شعبه، يغدو مسؤولًا أمام شبكةٍ معقدة من التوازنات الخارجية التي تحمي وجوده السياسي.
وحين يحدث ذلك، تتحول المنطقة – شيئًا فشيئًا – إلى ساحةٍ مفتوحة لصراع النفوذ الدولي، تُدار فيها الملفات الكبرى وفق حسابات القوى العالمية، بينما تقف الشعوب على هامش القرار، تدفع أثمان الصراع دون أن تملك حق توجيهه.
وأخطر ما تُخلِّفه هذه الحالة هو تلك الهوة النفسية والسياسية العميقة بين الشعوب وأنظمتها....
إذ يتسلل إلى وعي الناس شعورٌ مرير بأن القرار الوطني لم يعد ملكًا لهم، وأن كثيرًا من السياسات تُصاغ في غرفٍ بعيدة عن إرادتهم.
وعندما تفقد السلطة سندها الشعبي الحقيقي، فإنها تبحث – بطبيعة الحال – عن سندٍ آخر يحفظ بقاءها.
فتتضخم الأجهزة الأمنية، ويتحول الجيش – في بعض الحالات – من درعٍ يحمي الأمة إلى أداةٍ تضبط الداخل وتكبح أي محاولةٍ للخروج على معادلة السلطة القائمة.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها ...
أنظمةٌ تُنفق المليارات على التسلح، وتملأ مخازنها بأحدث منظومات القوة، لكنها تبقى في لحظة الخطر معتمدةً على مظلات الحماية الخارجية.
وواقع دول الخليج اليوم يختزل هذه
الحقيقية في أنصع صورها .
وهاهم قادتها يصرخون بأمريكا
كالأيتام لتحميهم من صواريخ الإيرانيين !!!
إن هذا المشهد يكشف هشاشة البنية السياسية التي تقوم عليها تلك الأنظمة.
فالقوة الحقيقية لأي دولة لا تُقاس بترسانة السلاح وحدها، بل بعمق الشرعية التي تربط السلطة بشعبها، وبمقدار الاستقلال الذي تملكه في قرارها الوطني.
والتاريخ يعلمنا حقيقةً لا تخطئها السنن.....
أن الأنظمة التي تقوم على خدمة المصالح الخارجية قبل مصالح شعوبها تبقى دائمًا عرضةً للتبديل والاستغناء، لأن القوى الكبرى لا تنظر إليها إلا من زاوية المنفعة العابرة.
ففي عالم السياسة القاسي، لا مكان للولاءات الدائمة...
هناك مصالح فقط…
ومن يؤدي الدور المطلوب اليوم قد يُستبدل غدًا بغيره متى ما تغيّرت الحسابات.
ولهذا فإن أخطر وهمٍ يمكن أن تقع فيه أي سلطة هو أن تظن أن الحماية الخارجية يمكن أن تكون بديلًا عن الشرعية الداخلية، أو أن التحالفات الدولية قادرة على تعويض فقدان الثقة بين الحاكم وشعبه.
فالدولة التي تستمد قوتها من شعبها تبقى صامدةً مهما اشتدت العواصف.
أما الدولة التي تُعلِّق وجودها على خيوط الخارج فإن مصيرها يظل معلقًا بتقلب تلك الخيوط.
وهكذا يظل السؤال الكبير معلقًا في فضاء واقعنا العربي والإسلامي:
متى تتحول الدولة من وظيفةٍ في منظومة المصالح الدولية إلى تعبيرٍ حقيقي عن إرادة الأمة؟
ومتى يصبح الاستقلال حقيقةً سياسية لا مجرد شعارٍ يرفرف فوق المباني الرسمية؟


