إيران لم تكن ظهرًا للعرب... بل خنجرًا في خاصرتهم
بقلم: أ.د. سمير الشرجبي
أكاديمي يمني
منذ ثورة الخميني عام 1979، لم تتصرف إيران كدولة طبيعية تسعى إلى حماية مصالحها داخل حدودها، بل كمشروع أيديولوجي توسعي دخل إلى العالم العربي من أبواب الضعف والانقسام والحروب الداخلية. لم تأتِ ببناء دولة، ولا بمشروع نهضة، ولا برؤية تخدم الشعوب، بل جاءت بالسلاح، والمليشيات، والطائفية، وتغذية الشروخ داخل المجتمعات، حتى يتحول الوطن إلى ساحة نفوذ، وتتحول الدولة إلى كيان ضعيف أو مختطف.
وعلى امتداد العقود الماضية، لم يكن أخطر ما فعلته إيران هو توسيع حضورها السياسي، بل ضرب فكرة الدولة الوطنية العربية نفسها. ففي كل ساحة تمددت فيها أذرعها، ضعفت المؤسسات، وتراجع القانون، وارتفع شأن الجماعات المسلحة على حساب الدولة، وغاب الأمن، وتعمق الانقسام، ودفعت الشعوب الثمن من دمها واستقرارها ومستقبل أبنائها.
في اليمن، ظهرت هذه المأساة بأوضح صورها. لم تسقط الدولة فقط، بل سقط معها الأمان والعدالة وفرص الحياة الكريمة. تمزقت الأسر بين الداخل والخارج، ووجد الملايين أنفسهم بين النزوح والهجرة والفقر والخوف. وصار المواطن محكومًا بسطوة الجماعة لا بحماية القانون، وبمنطق القوة لا بمنطق الدولة. وما جرى في اليمن لم يكن إلا مثالًا صارخًا على ما تصنعه المليشيا حين تُمنح سلطة أعلى من سلطة الوطن.
وفي لبنان، اختُطفت الدولة من داخلها، وبات السلاح الموازي قادرًا على فرض إيقاعه على المؤسسات والسياسة والمجتمع. وفي العراق، أُضعفت هيبة الدولة تحت ضغط الجماعات والولاءات المتشابكة، وتعمق الشرخ الوطني حتى صار استرجاع القرار المستقل مهمة شاقة. وفي سوريا، ساهم المشروع الإيراني في إطالة أمد الخراب، وفي تحويل البلاد إلى ساحة حرب مفتوحة دفعت أثمانها المدن والأسر والأجيال. وحتى في فلسطين، لم يؤدِّ التدخل الإيراني إلى توحيد القرار الوطني، بل ساهم في تغذية الانقسام وإضعاف المرجعية الجامعة.
أما في الخليج العربي، فقد أثبتت إيران مرة بعد مرة أن عداءها ليس مجرد خلاف سياسي، بل موقف عدائي مباشر تجاه الدول العربية واستقرارها. فقد امتدت نيرانها وأذرعها وتهديداتها إلى دول الخليج، وطالت المدن والمنشآت والبنى التحتية، وعُرّض المدنيون للخطر، وسقط ضحايا أبرياء، في سلوك يكشف مقدار الحقد الذي يحمله هذا النظام تجاه الدول العربية الحرة والمستقرة. وهذا وحده يكفي لتأكيد أن إيران لم تكن يومًا درعًا للعرب، بل كانت عامل تهديد دائم لأمنهم واستقرارهم ووحدة مجتمعاتهم.
لهذا فإن الأصوات التي ترتفع اليوم لتقول إن سقوط النظام الإيراني سوف يجعل الوطن العربي مكشوف الظهر أمام الكيان الصهيوني، أو أن إضعاف إيران هو إضعاف للعرب، هي أصوات تردد وهمًا سياسيًا كبيرًا لا تصمد أمام حقائق التاريخ. فإيران لم تبنِ للعرب قوة، ولم تحفظ لهم دولة، ولم توحّد صفهم، بل ساهمت في إضعافهم، وضرب مشروعهم القومي، ونشر الطائفية والمذهبية السياسية، وتكريس سلطة الجماعات المسلحة على حساب الدولة والقانون. ومن هذا المنطلق، فإن تراجع هذا المشروع أو سقوطه لا يعني خسارة للعرب، بل قد يشكل فرصة تاريخية لهم كي يستعيدوا قرارهم، ويعيدوا بناء دولهم، ويتحرروا من سطوة المليشيات ومن الابتزاز الطائفي ومن الوصاية العابرة للحدود.
لكن من المهم أن يكون هذا الموقف واضحًا وصريحًا: رفضنا للمشروع الإيراني وعدائنا لسياساته لا يعني أبدًا الوقوف مع أمريكا أو مع إسرائيل. فنحن ندرك تمامًا أن الكيان الصهيوني عدو صريح، محتل لأرض عربية، ومصدر دائم للعدوان والتهديد والابتزاز في المنطقة. غير أن رفض العدو الصهيوني لا يفرض علينا أن نمنح صك براءة لمشروع آخر أرهق العرب من الداخل، ومزق دولهم، وأضعف مجتمعاتهم، ورفع منسوب معاناتهم إلى هذا الحد.
العرب ليسوا مضطرين للاختيار بين مشروعين كلاهما يعتدي على مصالحهم وحقهم في الحياة الحرة الكريمة. فالأمة العربية، بعدد سكانها الذي يزيد على نصف مليار عربي، وبمساحة تمتد على نحو 14 مليون كيلومتر مربع، تملك من المقومات البشرية والجغرافية والتاريخية ما يجعلها قادرة، إذا استقرت دولها وتوحدت إرادة شعوبها، على أن تحفظ حقها، وأن تدافع عن مصالحها، وأن تحمي قضاياها، وأن تواجه أعداءها الحقيقيين من موقع القوة لا التبعية.
في الاخير فأن إيران لم تكن ظهرًا للعرب كما يروّج البعض، بل كانت خنجرًا في خاصرتهم. ومواجهة هذا المشروع لا تعني الارتماء في أحضان أعداء آخرين، بل تعني أن يستعيد العرب أنفسهم، وأن يبنوا دولهم الوطنية، وأن يوحدوا قرارهم، وأن يخرجوا من زمن المليشيات والوصايات إلى زمن السيادة والكرامة والمصلحة العربية العليا.


