قراءة في مشهد الدولة القادمة
في لحظات التحول الكبرى، لا يتم قياس التعافي بضجيج الخطابات، بل بصلابة الخطوات. واليوم، يبدو المشهد اليمني وكأن الدولة تمضي بهدوء محسوب في طريق مدروس نحو الاستقرار، واضعة مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة.
أول ملامح هذا التحول هو الاتجاه نحو بناء جيش واحد، يجمع كل أطيافه تحت راية واحدة، لا ولاء فيه إلا لليمن، ولا مكان فيه للإقصاء أو التهميش. جيش يحمي الدولة، لا يحكمها، ويصون القرار الوطني بعيد عن المشاريع الصغيرة التي أرهقت البلاد.
اقتصاديًا، تبدو المؤشرات مرهونة باستكمال ترتيب البيت الداخلي في المناطق المحررة، وتوحيد المؤسسات المالية والنقدية، بما ينعكس تدريجيًا على استقرار العملة، حتى يعود الريال متساوي القيمة شمالًا وجنوبًا، وتُغلق صفحة الانقسام النقدي الذي أثقل كاهل المواطن.
أما مشروع جماعة أنصار الله (الحوثيين)، فيبدو أن إنهاءه لن يكون بشعارات، بل عبر استكمال بناء نموذج دولة ناجح في المناطق المحررة، يثبت أن الدولة العادلة أقوى من أي مشروع سلالي أو مسلح. فحين تنتصر مؤسسات الدولة، تسقط المشاريع الطارئة تلقائي.
التهيئة للانتخابات تمثل المحطة المفصلية في هذا المسار. فالشعب الذي عانى سنوات من الحكم بالحديد والنار، شمالًا وجنوبًا، لن يمنح ثقته مرة أخرى لمن خذله. الرئيس القادم لن يُصنع في الغرف المغلقة، بل في المدارس التي بُنيت، والمستشفيات التي فُتحت، والطرق التي عُبّدت. معيار المرحلة القادمة هو الإنجاز لا الشعارات.
نعم لقد أدرك اليمنيون، بعد عقد من الألم، أن النخب التي أدارت المشهد بالقوة لا يمكن أن تكون بوابة الاستقرار. ووعي الناس اليوم هو الضامن الحقيقي لعدم إعادة إنتاج الفشل. فلا استقرار بلا رضا شعبي، ولا شرعية بلا صندوق اقتراع.
إذا اكتملت هذه المسارات: جيش موحد، اقتصاد متعافٍ، مؤسسات فاعلة، وانتخابات حرة، فإن اليمن ستبدأ فعلًا مرحلة التنمية والتوظيف والمشاريع الكبرى، وستعود إلى مسارها الطبيعي الذي تعطل طويلًا.
نعم المستقبل الواعد ليس حلم بل نتيجة حتمية حين تنتصر الدولة وتُهزم الفوضى.


