كمال سالم .. صوتُ الأثير الذي لا يغيب
في ليلةٍ من ليالي العشر الأواخر المباركة، حيث يصافح الوفاءُ عبق الروحانيات، حظيتُ بشرف مرافقة الأستاذ طارق سالم العكبري (نائب رئيس مؤتمر حضرموت الجامع ووزير التربية والتعليم السابق) مع عدد من الزملاء في زيارةٍ إنسانية لمنزل القامة الإذاعية السامقة والفنان المسرحي القدير، الأستاذ كمال سالم الحامد.
لم تكن الزيارة «طرقة باب»، بل كانت «استراحة محارب» في محراب فارسٍ من فرسان الاذاعة، وأحد أعمدة الإعلام الحضرمي. استقبلنا الأستاذ كمال سالم بابتسامةٍ عريضة لم تنل منها عوادم السنين، ومن فوق كرسيه الذي بات رفيقه، أفاض علينا بحديث الذكريات والمواقف التي بقيت حيةً ببريقها.. عاد بنا إلى ذلك «الزمن» الذي كان فيه صوته رفيقًا يوميًا لكل بيت عبر أثير «إذاعة المكلا»؛ ذلك الصوت الرخيم الذي طوّع الأثير لعقود، وبثّ الروح في البرنامج الشعبي الشهير «كلام له معنى»، إلى جانب رفيقة دربه المهني، أميرة الإعلام الحضرمي الأستاذة أفراح محمد.
و كمال سالم - اطال الله في عمره - إعلامي متمكن، و وجه بارز من جيل العمالقة الذين زاوجوا بين الموهبة الفطرية والثقافة الموسوعية. فقد صقلته التجربة التربوية كمعلمٍ قبل التحاقه بالإذاعة، وأثرته الخشبة كفنان مسرحي، مما منحه قدرةً فذة على تطويع اللغة وصياغة مفرداتها؛..
توقف الأستاذ كمال سالم بتقديرٍ عالٍ أمام محطةٍ مهمة في مسيرته؛ علاقته بشيخ الصحفيين الحضارم الراحل عزيز الثعالبي (رحمه الله).. فقد ارتبط "الحامد" بـ "الثعالبي" في البرنامج الإذاعي المعمّر "المجلة الرياضية"، و البرامج التي يخصها « عزبز» لإذاعة المكلا في مختلف المناسبات.. وبنبرةٍ ملؤها الإجلال، امتدح "الحامد" التزام "الثعالبي" المطلق وشغفه المهني؛ وهي القيم التي انتقلت بـ «عدوى حميدة» لكل من نهل من مدرسته.
والشيء بالشيء يُذكر، إذ استحضرتُ من وحي تلك الجلسة تجربةً شخصية جسدت لي عظمة هؤلاء الكبار.. أتذكر حين كلفني الأستاذ عزيز الثعالبي بإعداد حلقات من "المجلة الرياضية" أثناء سفره لمرافقة المنتخب الوطني إلى النيبال. كان حِمل المسؤولية ثقيلًا، فالإذاعة آنذاك كانت سيدة الموقف والمصدر الأول للخبر قبل طغيان الإعلام البديل .
ما زلتُ أذكر وقوفي في ممر الإذاعة حاملًا أوراقي وحوارًا مسجلًا مع الكابتن ناصر الناخبي، لأجد الأستاذ كمال سالم بانتظاري.. ألقى نظرةً سريعة ومراجعة لغوية دقيقة على الأوراق، ثم فتح "المايكروفون" وبدأ يتمايل بصوته المخملي، يقرأ الفقرات بتمكنٍ مذهل دون انقطاع، من "غلاف المجلة" حتى الختام، في مشهدٍ يجسد قمة التمكن .. ولقد بلغ تأثري بتلك التجربة أنني حين طُلب مني لاحقًا الأستاذ القدير علي الأنسي (مدير إذاعة المهرة) إعداد برنامج منوعات للإذاعة، أطلقت عليه «المجلة الإذاعية» ، سرتُ على ذات النهج ، مستلهمًا نسق الثعالبي وروح الحامد، مع إضفاء تنوعٍ أشمل.
إن مبادرة الأستاذ طارق العكبري بهذه الزيارة تحمل رسالةً بالغة الأهمية؛ مفادها ضرورة الالتفات لهذا الجيل الذي لم ينل حقه الكامل من التوثيق والاحتفاء ، أو الاهتمام بتسوية أوضاعهم الوظيفية.. فالحامد ورفاقه ليسوا أسماء فقط، بل هم مدارس في العطاء، وقامات ستبقى أسماؤهم محفورة في وجدان حضرموت والوطن الكبير.


