"صدام حسين ، علي لاريجاني" - البدايات المختلفة والنهايات المشكلة ...

من المعروف أن هناك لحظات مفصلية في التاريخ لا تُهزم فيها الدول بالسلاح بل بالقرار !
ولعل أوضح صورة لذلك قبول صدام حسين بإعادة الأراضي لإيران والتي كان قد حارب لأجلها ثماني سنوات خلال الحرب العراقية الإيرانية المعروفة .
نهاية تلك الحرب لم تكن "نهاية" بقدر ما كانت "بداية" كونها كشفت عن نمط معين من التفكير السياسي الذي قاد إلى أزمات متتالية .
لكن المفارقة الأكثر قسوة لم تكن فيما يخص "الأرض" وحدها بل كانت أيضا فيما يخص "السماء" .
فحين اندلعت حرب الخليج الثانية لم يجد صدام وسيلة لحماية سلاح الجو العراقي والذي أحرزت به العراق حينها بالإضافة لحداثة الأسلحة أحرزت تفوقا كبيرا على إيران فيما كان التفوق الإيراني فاعلا في سلاحي البحرية والحشود البشرية .
تفوُّق العراق ذلك أجبر الخميني على وقف الحرب في العام "1989"م وفق قرار مجلس الأمن رقم "598" .
ولكن صدام سرعان ما دخل حربا أخرى في العام "1990" بعد غزوه الكويت حيث 
اتخذ صدام قرارا بإرسال قواته الجوية المتمثلة بـ: (مائتين وأربعة وأربعين طائرة نفاثة وقاذفة بينها طائرات {ميراج 2000} الفرنسية والتي تستطيع التزود بالوقود بالجو + ١٢٠ حوامة حديثة) إلى إيران لإيداعها فيما بدا في نظر صدام قراراً "تكتيكيًا" وهو في مضمونه يعني إرسال الطائرات العراقية إلى العدوّ الذي خاض معه حربًا لثماني سنوات والذي أصبح فجأة "مستودعًا آمنًا" .
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها من حرب لكسر إيران إلى تسليمها أحد أهم أصول القوة العراقية ! !
وهنا برز دور رجل الحرس الثوري "علي لاريجاني" في تسويق فكرة الإيداع في سوق العقل العراقي لتصب أخيرا لصالح إيران  كعملية "استدراج كلاسيكية" تكمن قيمتها الحقيقية في دلالاتها .

وبما أن إيران لم تكن بحاجة إلى خداع معقّد بل إلى خصم مستعد لاتخاذ القرار الذي يخدمها !
فإن مسألة "الإيداع" هنا تحولت من واقعة عسكرية إلى رمزية سياسية كثيفة !
إذ كيف تتولد الثقة في خصم تاريخي مقابل فقدان الثقة في القدرة الذاتية على الصمود ؟ وهذا معناه التنازل لإيران عن مكتسبات الحرب ثم إرسال الطائرات إليها ! .

إن ذلك التصرف لا يعد صدفة ! بل عبارة عن "إدارة اللحظة لاستشراف المستقبل"
وهو نمط تفكير تُتّخذ فيه القرارات تحت الضغط دون حساب للتداعيات بعيدة المدى ودون التصور لكيفية استغلال الخصم لذلك .
وهذا ما فعلته إيران ببرود استراتيجي حيث احتفظت بالطائرات معتبرة إياها تعويضًا وحوّلت "الإيداع" إلى نقل دائم للقدرة والفعل !
وضمن هذا المشهد ظهر علي لاريجاني كمهندس عملية تكتيكية مباشرة يعكس صورة العقل المؤسسيّ الذي يفكر بـ "التراكم" ويدير الصراع بنَفَس طويل بل ويحوّل أخطاء الخصم إلى مكاسب استراتيجية .
وهنا يظهر الفرق بين من "يصنع الحدث" وبين من "ينتظر الحدث" لاستثماره .

لقد تصرف صدام كما لو أنه يستطيع إغلاق جبهة إيران بتأمين طائراته مؤقتًا ومن ثم يخوض معركة أكبر في الخليج !
لكن النتيجة كانت العكس حيث أغلق جبهة ليخسر أوراقها
بإيداع الطائرات "التي لم تَعُد" ومن ثم فتح حربًا فخسرها !
وهنا تظهر حيثيات الانهيار والتي لم تكن نتيجة قرار واحد خاطئ بل نتيجة سلسلة قرارات يعتقد صاحبها أنها مترابطة بينما هي في الحقيقة تُفكك بعضها البعض !
وبما أن المسار كان ذهنيّاً أيضا بالإضافة لكونه أرضيّا فإن إيران لم تنتصر فقط لأنها صمدت في الحرب بل لأنها فهمت لحظة ما بعد الحرب ! بينما صدام لم يخسر
 لأنه هُزم عسكريًا بل لأنه اتخذ قرارات جعلت خصمه يستفيد منها . 

بقي السؤال :
أكو عرب ؟  !