حين يؤمّ المحافظ الناس أبين تكتب فجرها الجديد من محراب العيد
في زحمة الأحداث التي تعيشها البلاد، وفي ظل تراكمات سنواتٍ طويلة من التحديات والآمال المؤجلة، برز في هذا العيد حدثٌ استثنائي في محافظة أبين، لم يكن مجرد لقطة عابرة أو موقف بروتوكولي، بل كان تحولاً في المعنى، ورسالةً عميقة الدلالة، أعادت صياغة العلاقة بين الحاكم والناس، وبين المسؤول والمجتمع.
لقد شهدت أبين، ولأول مرة في تاريخها سواء القديم، أو الحديث، أو حتى المعاصر، إلا في ظل قيادة الدكتور مختار الرباش وهو يتقدّم صفوف المصلين، فيؤمّهم ويخطب بهم صلاة العيد، حقاً أنه حدث تاريخي سوف يتم تسجيله على مر التاريخ، وقد يبدو هذا الحدث في ظاهره بسيطاً، لكنه في جوهره يحمل أبعاداً رمزية كبيرة، ويعكس نموذجاً مختلفاً في القيادة، أقرب إلى الناس، وأصدق في التعبير عنهم، وأعمق اتصالاً بقيمهم الدينية والاجتماعية.
إنه ليس حدثاً عابراً، بل رسالة قيادة، إن ما حدث في أبين هذا العيد لم يكن مجرد أداءٍ لشعيرة، بل كان إعلاناً عملياً عن فلسفة مختلفة في الحكم والإدارة؛ فلسفة تقوم على التواضع، وعلى كسر الحواجز بين المسؤول والمواطن، وعلى إعادة الاعتبار لقيم البساطة التي طالما كانت سمة المجتمعات الأصيلة.
حين يقف المحافظ في محراب الصلاة، إماماً لا متقدماً بسلطته، بل بدينه، وبعلمه، وخطيباً لا بصفته الرسمية، بل بثقافته ووعيه، فإنه يرسل رسالة صامتة لكنها بليغة، أن القيادة ليست منصباً يُمارس من خلف المكاتب، بل مسؤولية تُعاش بين الناس، ومعهم، وفي قلب تفاصيلهم اليومية.
أبين بين ماضٍ متعب وأملٍ متجدد، وليست أبين محافظة عادية في سياقها التاريخي والسياسي؛ فقد عانت طويلاً من الإهمال والتهميش، وتعرضت لظروفٍ قاسية أثّرت في بنيتها ومجتمعها، وظلت تبحث عن نموذجٍ قيادي يعيد إليها الثقة، ويمنحها الإحساس بأن القادم أفضل.
وجاء هذا المشهد في صلاة العيد، ليوقظ في الناس شعوراً مختلفاً؛ شعوراً بأن هناك شيئاً يتغيّر، وأن ثمة بداية تُكتب، ليس بالشعارات، بل بالمواقف، ولقد رأى الناس محافظهم بينهم، لا تحيط به مظاهر السلطة، ولا تفصله عنهم الحواجز، بل يقف معهم صفاً واحداً، يشاركهم الدعاء، ويخاطبهم بلسان القريب منهم، فكان لذلك أثرٌ بالغ في النفوس، لا يمكن قياسه بالأرقام، لكنه يُدرك بعمق في الوجدان.
إن الورع حين يلتقي بالمسؤولية ما ميّز هذا الحدث أيضاً، أنه جمع بين بُعدين قلّما يجتمعان في صورةٍ واحدة بُعد المسؤول الإداري، وبُعد الإنسان المتديّن الحافظ لكتاب الله، القارئ له.
وهذا الجمع ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو جوهر القضية؛ لأن الناس بطبيعتهم يميلون إلى من يرون فيه صدقاً في القيم قبل الكفاءة في الأداء، ويبحثون عن المسؤول الذي يخاف الله فيهم، قبل أن يُحسن إدارة شؤونهم.
ولعل هذا ما جعل هذا الحدث يلقى صدى واسعاً، لأن الناس لم يروا فيه مجرد محافظ، بل رأوا فيه نموذجاً يُعيد التوازن بين السلطة والأخلاق، بين القرار والضمير، ومن الرمزية إلى الفعل، ومع أهمية هذه الخطوة ودلالاتها العميقة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة هذه الرمزية إلى واقع عملي ملموس؛ فالمجتمعات لا تعيش على اللحظات المؤثرة وحدها، بل تحتاج إلى استمرار في العمل، وإلى مشاريع تنموية، وإلى إصلاحات حقيقية تمس حياة الناس اليومية.
إن ما حدث في صلاة العيد يمكن أن يكون نقطة انطلاق، وبداية عهدٍ جديد، إذا ما تلاه عملٌ دؤوب يعالج مشكلات أبين، ويعيد بناء مؤسساتها، ويحقق تطلعات أبنائها، وحدث العيد، وبداية الحكاية
سيبقى هذا العيد مختلفاً في ذاكرة أبناء أبين، ليس لأنه جاء بعد شهرٍ من الطاعة فحسب، بل لأنه حمل معه مشهداً غير مسبوق، أعاد تعريف القيادة، وفتح نافذة أملٍ في جدارٍ طال انتظاره.
لقد دخل محافظ أبين التاريخ من أوسع أبوابه، لا بخطابٍ سياسي، ولا بقرارٍ إداري، بل بموقفٍ إنساني صادق، أعاد الاعتبار لمعاني القرب والتواضع، وأثبت أن أعظم ما يمكن أن يقدمه المسؤول لشعبه، هو أن يكون واحداً منهم.
وفي الأخير، فإن الأمل معقودٌ على أن لا يكون هذا الحدث مجرد استثناء جميل، بل بداية لمسارٍ مستمر، تُبنى فيه أبين على أسسٍ من الإخلاص والعمل والعدالة، ويكون فيه المسؤول خادماً للناس، لا متعالياً عليهم.
نسأل الله التوفيق والسداد، وأن تكون هذه الخطوة فاتحة خيرٍ لمحافظة أبين وأهلها، وأن يُكتب لها من بعدها مستقبلٌ يليق بتاريخها ومكانتها.
عيدكم مبارك وكل عام وانتم بخير وأبين بخير في ظل قيادة الدكتور مختار الرباش لها..
ودمتم سالمين


