رسالة إلى محافظ أبين

أخي الكريم الدكتور مختار الرباش
سلام عليك ورحمة الله وبركاته،

قبل سنوات، كنت في عيادة أحد الأطباء الحاذقين، فعُرضت عليه حالة فتى في الخامسة عشرة من عمره، يعاني من فقر دم شديد جدًا. ألحّ أهله على الطبيب أن يزوّده بالدم، لكن الطبيب – بعد فحص دقيق – قال كلمة ليست طبية فحسب، بل هي منهج حياة:
إن ولدكم يحتاج إلى دم، نعم… لكن قلبه لا يحتمل. فلو ضخخنا الدم في جسده لتراكم في قلبه العاجز، وكان في ذلك هلاكه....
نعم ...
كانت المشكلة أن العلاج صحيح، لكن المحل غير مهيأ لتلقيه.
لم يُصغِ الأهل للنصيحة، واتجهوا إلى عيادة أخرى، حيث بدأ ضخ الدم… ولم تمضِ لحظات حتى تراكم في قلب الفتى، ففاضت روحه إلى بارئها.

*أخي مختار*
أستحضر هذه القصة وأنا أتابع خطاباتك وكتاباتك، وقد لمست فيها صدقًا ظاهرًا، وإخلاصًا جليًا، ونزاهة عالية، ومثالية مشرّفة… وهي صفات عظيمة لا يُستغنى عنها.
لكن الخشية – كل الخشية – أن تتحول هذه المثالية، في واقعٍ معقّدٍ كواقع أبين، إلى مدخلٍ للفشل بدل أن تكون طريقًا للإصلاح.
إن شبكات الفساد لا تخاف الخطاب المثالي، بل قد تفرح به، وتدفعك إليه دفعًا، لأنها تدرك أن رفع السقف عاليًا في بيئةٍ منهكة، سيفتح جبهات لا تُحصى، ويستنزف الجهد قبل أن يحقق أثرًا.ويؤدي إلى تشتت قواك وشعورك بضخامة المسؤولية وصعوبة الإصلاح.

أخي مختار
حين دخل النبي ﷺ مكة فاتحًا، وكان في موضع قوة، تمنى أن يعيد الكعبة إلى قواعد إبراهيم عليه السلام، لكنه لم يفعل… لأنه أدرك أن القلوب لم تتهيأ بعد، وأن الصواب إن أُتي في غير أوانه قد ينقلب إلى ضده.
فأجّل الإصلاح الكامل، مراعاةً لحال الناس، وفقهًا بالواقع.

أخي مختار
لقد خرجت من بيئة طاهرة نقية – من المساجد، والقرآن، وإدارة الحج والعمرة– إلى واقعٍ مثقل بالأزمات، مثخن بالجراح، ضعيف الإمكانات، مضطرب البنية.
وهذه نقلة تحتاج إلى تريّث، وواقعية، وتخفف من المثالية العالية، وحسن ظنٍ موزون، وخطابٍ محسوب.
أبين اليوم كجسدٍ منهك، ضعيف المناعة… لا يحتمل العلاج القاسي، بل يحتاج أولًا إلى تقوية بنيته، واستعادة عافيته، ثم التدرج في العلاج.
فابدأ بالحقوق قبل الواجبات،
واقبل بالقليل لتبني عليه الكثير،
وفكّك الفساد بهدوء، وبخطواتٍ متدرجة، لا بصدماتٍ عنيفة.
ولك في سيرة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أسوة؛ إذ لم يصطدم بالواقع دفعة واحدة، بل سار بالإصلاح على مراحل، يحيي في كل يوم سنة، ويميت بدعة.
وقد قال لابنه: "إن الله كره الخمر مرتين، وحرّمها في الثالثة، وإني أخشى أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه جملة."
نسأل الله أن يوفقك ويسددك ويربط على قلبك ويهيء لك البطانة الصالحة ويجعلك ذخراً لأبين وأهلها.

*أخوك ومحبك: أبو زين الوليدي*