كروية الأرض بين النصوص الشرعية والاكتشافات العلمية
لطالما شغل الإنسان شكل الأرض وحقيقتها، فانقسم الناس بين من يؤمن بكرويتها ومن يرفضها، رغم الأدلة العلمية القاطعة. ومن المدهش أن الجدل لا يزال قائما حتى اليوم، حيث يتمسك بعضهم بتفسيرات خاطئة للنصوص الدينية، رغم أن علماء المسلمين كانوا روادا في إثبات كروية الأرض قبل الغرب بقرون، واستندوا إلى القرآن والسنة والعقل والتجربة.
جاءت آيات كثيرة في القرآن تشير بوضوح إلى كروية الأرض، منها:
- قوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ (الزمر: 5)
الفعل "يُكَوِّرُ" مأخوذ من "التكوير"، وهو اللف حول شيء مستدير، كما يقال في اللغة "كَوَّرَ العمامة"، أي لفها حول الرأس، مما يدل على أن تعاقب الليل والنهار لا يكون إلا على جسم كروي.
- قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (النازعات: 30). وكلمة "دحاها" فسرت بعدة معانٍ، وأوضحها ما قاله العلماء مثل ابن عباس وغيره بأن الدحو هو البسط مع الاستدارة، وهو ما يشابه شكل بيضة النعامة، وهو تفسير يتفق مع الحقائق العلمية.
وإذا بحثنا في تفسير علماء السلف والمفسرين؛ فسنجد:
- ابن كثير (ت 774هـ) في تفسيره لقوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ قال: "يأخذ من هذا ويعطي هذا، ومعناه إدخال هذا على هذا على سبيل التدريج". وهذا لا يكون إلا على سطح كروي (تفسير ابن كثير، ج4، ص39).
- الرازي (ت 606هـ) قال في تفسيره: "التكوير يدل على التدوير، وذلك يقتضي أن الأرض كروية الشكل" (التفسير الكبير، ج26، ص232).
- الطبري (ت 310هـ) قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾: "بسطها لتكون مهيأة للحياة، وهذا لا ينفي كرويتها، لأن التسطيح يكون في الأجسام الضخمة المستديرة" (جامع البيان، ج24، ص45).
كما أن علماء الإسلام لم يكتفوا بالإشارات القرآنية؛ بل قدموا أدلة حسابية وتجريبية على كروية الأرض قبل أن يتوصل الغرب إليها. ومن أبرزهم:
- أبو الريحان البيروني (ت 440هـ) قاس محيط الأرض بدقة مذهلة، ووصل إلى نتائج قريبة من القياسات الحديثة (البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، ص176).
- الإدريسي (ت 560هـ) رسم خرائط دقيقة تظهر كروية الأرض، بناءً على قياسات جغرافية ورياضية متقدمة (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ص245).
- ابن الهيثم (ت 430هـ) ناقش الظواهر البصرية التي تثبت انحناء الأرض، كختلاف ارتفاع النجوم عند الانتقال بين الشمال والجنوب (المناظر، ج3، ص112).
ولقد كان الغرب في العصور الوسطى يؤمن بنظرية الأرض المسطحة، حتى انتقلت إليهم علوم المسلمين عبر الترجمة. ومما يدل على ذلك:
- العالم الإيطالي روجر بيكون (ت 1292م) تأثر بكتب المسلمين وقال: "لقد تعلمنا فكرة كروية الأرض من علماء العرب والمسلمين" (Bacon, Opus Majus, p. 256).
- كريستوفر كولومبوس (ت 1506م) استند إلى الحسابات الجغرافية للإدريسي والبيروني لإثبات إمكانية الإبحار حول الأرض.
- غاليلو غاليلي (ت 1642م) قدم أدلة تجريبية على كروية الأرض، لكنه كان يردد أفكارا موجودة سابقا في كتب المسلمين (Drake, Galileo at Work, p. 114).
رغم كل هذه الأدلة؛ لا يزال بعض المسلمين يصرّون على إنكار كروية الأرض، ويرجع ذلك إلى:
- الخلط بين التفسير الحرفي واللغوي للقرآن؛ فسوء فهم ألفاظ مثل "سطحت" و"مدت"، وعدم الرجوع إلى أقوال العلماء والمفسرين.
- العداء غير المبرر لكل ما جاء من الغرب؛ فرغم أن المسلمين كانوا السباقين في هذه المعرفة، يرفض البعض الفكرة بحجة أنها "غربية".
- انتشار أفكار شعبوية تدعي أن كروية الأرض مؤامرة عالمية، رغم أن الأدلة عليها قطعية.
والخلاصة: أن الإسلام لم يعارض العلم يومًا؛ بل كان دافعا رئيسيا في تطوره، وكان علماء المسلمين روادا في إثبات كروية الأرض قبل الغرب بقرون. الأدلة القرآنية والحديثية والعلمية متوافقة، والمفسرون والعلماء قدموا شروحا واضحة تدحض أي تأويل خاطئ.
ورفض الحقائق العلمية لمجرد العداء للغرب؛ هو كارثة فكرية تعطل الأمة عن التقدم؛ لذا فمن واجب المسلمين إعادة النظر في فهمهم للقرآن والسنة وفق المنهج الصحيح، والعودة إلى النهج العلمي الذي كان سمة الحضارة الإسلامية العظيمة.
والحمد لله القائل: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: 114).
ودمتم سالمين.