بالإرادة تصنع المستحيل 

اعلموا أحبتي القراء أن الإرادة شيء عظيم ، فإذا ما امتلكتها - أكنت فردا أو جماعة - فإنك تستطيع أن تصنع المستحيل ، ولكي تكونوا على بينة من الأمر سوف استعرض عليكم سردية من الواقع الذي كان كاتب السطور شاهدا عليه . 
   في سبعينيات القرن المنصرم ، كان أحد أقارب والدي بدويا ، تجاوز عمره العقدين من الزمن ، يقطن جبل مبدار ، وكانت مهنته رعي الأغنام ، لقبه القوم (يجري) لسرعته في المشي ، ويقضته غير المعتادة ، وكثرة حركته وراء غنيماته ، ومآربه الأخرى في ذلك الجبل المترامي الأطراف ، عرف بحبه الشديد لسلاحه ؛ إذ مثل له البندق والخنجر ، الأب والأم ، والأخ والابن ، والصديق الصدوق ، والرفيق الذي لايمل ،  وفي ذات يوم ، وهو يخب كالوحش في دخل من دخول ذلك الجبل ، وقع فيما لم يكن يتوقع ؛ إذ فوجئ بانفجار قوي ، فظن أن أحدا قد أطلق عليه النار ، فوجه سلاحه بسرعة البرق ، يطلق النار في دائرة شملت الاتجاهات كلها من حوله حتى نفذت ذخيرة المخزن الأول منه ، وعندما حاول انتزاع المخزن الثاني من جعبته ، عند ذلك فقط أدرك أنه قد خسر أحد أطرافه ؛ إذ نظر إلى رجله ، وإذا به قد فقد القدم والساق والركبة ، ولم يعد لديه منها إلا كومة من اللحم قد حشرت في أعلى الركبة.  

عند ذلك تم حمله إلى أقرب مركز طبي ، وتم البتر من أعلى الركبة ، ثم أرسل إلى قاهرة المعز ، فعاد إلى جبله برجل اصطناعية لم تمنحه الحركة التي كان يتمتع بها ، لكنه تزوج وأنجب كثيرا من الذكور وقليلا من الإناث ، وبقي يمارس مهنته رعي الأغنام ، وأضاف إليها اقتناء خلايا النحل ، وعمد إلى المواضع التي يجري فيها الماء من الجبل ، فصنع فيها مدرجات زراعية ، تقاس بفدانات، وهذا كله قام به هذا الرجل بعد أن تخلص من تلك الرجل الاصطناعية التي قيدت حركته ، وبقي يعتمد على رجل واحدة ، وعصا في يده ، يقطع المسافات التي تبلغ الساعات من الزمن ركضا على رجل واحدة ، في حركة تشبه حركة طائر العقب - الذي يجاوره في ذلك الجبل - في القوة والشدة والسرعة والإرادة ، حقا لقد فقد ذلك الرجل رجله لكنه بقي يحتفظ بإرادته .

وهذا مانراه اليوم ماثلا أمام أعيننا في قطاع غزة ؛ إذ جعلت المقاومة العالم الغربي بما يمتلكه من القوة المادية والمعنوية يحتار أمام إرادتها التي لاتفل .