عندما يدفع الشعب ثمن "الارتجال": دروس لم تُستوعب من صنعاء إلى حضرموت
بقلم: د. مرسي أحمد عبدالله
حذّرنا مراراً وتكراراً، وعبر كل المنابر المتاحة، من خطورة "القرارات الفردية" خاصة تلك التي تتعلق بمصير الوطن وثوابت شعبه. أوضحنا بجلاء أن صنع القرار في المنعطفات التاريخية ليس "مغامرة" أو "رهاناً" يُلقى في سلة التوازنات الإقليمية، بل هو عملية مؤسسية معقدة تتطلب شروطاً صارمة، وقراءة دقيقة للميدان، واستشعاراً عميقاً للمسؤولية تجاه دماء الأبرياء.
للأسف، التاريخ يعيد نفسه بمرارة:
في عام 90: كان القرار فردياً وعاطفياً، فنُقلت القوات إلى صنعاء لتُذبح هناك، ودفع الشعب ثمن ذلك في حرب 94 وظلم العقود التالية.
في حضرموت اليوم: نرى تكراراً لذات "الارتجالية"؛ نقل القوات إلى مناطق صراع نفوذ دون غطاء سياسي صلب أو ضمانات دولية حقيقية، مما عرض أبطالنا للقصف الجوي والغدر الميداني، وجعلهم هدفاً سهلاً لـ "بلاغات" الكيد السياسي.
إن الخطأ الذي يقع فيه صانع القرار "الفردي" هو اعتقاده أن النية الحسنة أو الثقة بالحليف تكفي لحماية الوطن. والحقيقة أن في السياسة الدولية لا توجد "نيات"، بل توجد "مصالح" فقط، ومن لا يملك قراره المؤسسي المستقل يصبح مجرد رقم في معادلات الآخرين.
الخلاصة:
ما نراه اليوم من استهداف لجنودنا في حضرموت، وتنمر سياسي في عدن، هو النتيجة الطبيعية لتجاهل "طرق صنع القرار" العلمية والمؤسسية. إن الشعب الجنوبي اليوم لا يدفع ثمن شجاعته (فهو لم يبخل يوماً بدمه)، بل يدفع ثمن الأخطاء المتكررة التي حذرنا منها ولم تجد آذاناً صاغية.
آن الأوان للتوقف عن الارتجال، فالأوطان لا تُستعاد بالصدفة، والدماء التي تراق في حضرموت أغلى من أن تذهب ضحية سوء تقدير أو قرار منفرد لم يقرأ حساب الغدر.


