المواطن أولاً.. دعوة لصحوة الضمير في زمن الفرصة الأخيرة
نصف قرنٍ أو يزيد، وعقارب الساعة في اليمن تدور في حلقة مفرغة من الصراعات. في الشمال كما في الجنوب، عشنا تجارب مريرة، وتقلبنا بين أنظمة وشعارات، لكن النتيجة ظلت واحدة: انشغل الساسة ببريق السلطة واقتسام الثروة، ونسوا في غمرة هذا الصخب "الإنسان". لقد سقط المواطن اليمني من حسابات الجميع، وتُرك وحيداً يصارع طواحين الحياة، بينما تتسابق النخب نحو كراسي الحكم.
إنه لواقع يبعث على الحزن العميق، ويُفترض أن يثير حرجاً أخلاقياً بالغاً لدى كافة الأحزاب والمكونات السياسية بلا استثناء.
كيف يغمض للسياسي جفنٌ، وبعد عقود من "النضال" و"الثورة" و"التغيير"، لا يزال المواطن في عدن أو صنعاء، في حضرموت أو تعز، يلهث خلف رغيف خبزٍ يكاد لا يجده، ويحلم بساعة كهرباء تضيء ليل أبنائه، ويعجز عن دفع قيمة دواء ينقذ به روحاً عزيزة؟ ألا تستدعي هذه الصورة المأساوية صحوةً للضمير؟ ألا تصرخ هذه الحقائق في وجوهنا جميعاً بأن الأولويات قد اختلت، وأننا اهتممنا بـ "الدولة كغنيمة وأهملنا المواطن كقيمة"؟
نحن اليوم نعيش لحظة استثنائية، قد لا يجود الزمان بمثلها قريباً. إنها فرصة نادرة للأمل، سانحة لإعادة الاعتبار للإنسان قبل الأرض، وللمعيشة قبل السياسة.
وما يعزز هذا الأمل هو وجود الحليف الاستراتيجي والسند التاريخي، المملكة العربية السعودية، التي تقف بكل ثقلها داعمةً ومساندة لتوحيد الصف، وضمان نمو اليمن وازدهاره، في لحظة فارقة تتطلب التقاط الفرصة لا إهدارها.
وفي الوقت الذي يجتمع فيه أبناء الجنوب لتقرير مستقبل قضيتهم، ومهما كانت المخرجات السياسية، تظل هناك حقيقة اقتصادية واجتماعية ثابتة لا تتغير بتغير شكل الدولة: وهي أن نهضة الأوطان تبدأ من نهضة أجزائها.
على أبناء كل محافظة أن يدركوا أن مسؤولية التغيير تبدأ من عندهم. عليهم أن يكتشفوا مواردهم، ويعملوا بجد لتحسين مستواهم المعيشي. إن التعاون بين المحافظات أمر حتمي، لكنه لا يُسقط مسؤولية كل كادر وكل مواطن في أداء دوره لبناء محافظته.
لقد آن الأوان لتصحيح المفاهيم المغلوطة؛ فالموارد ليست نفطاً وغازاً فحسب. هناك أمم عظمى لا تملك قطرة نفط، لكنها تملك "العقول". اليمن غني بموقعه، بزراعته، بأسماكه، بمعادنه، بسياحته، وقبل كل ذلك بإنسانه القادر على التأهيل في جوانب التقنية الحديثة. الثروة الحقيقية هي الإدارة، والعمل، والإنتاج، وليست الريع الذي نتقاتل عليه.
وهنا يبرز "الحل السحري والواقعي لمشكلاتنا المعقدة": اللامركزية. بغض النظر عن الشكل النهائي للدولة – سواء كانت دولة بسيطة، أو فيدرالية، أو حتى دولتين – يظل تمكين المحافظات هو طوق النجاة.
حين تُمنح كل محافظة صلاحيات إدارة شؤونها، وتنمية مواردها، وتقديم خدماتها، تتلاشى مركزية الصراع. عندما يحصل المواطن على حقوقه في التعليم والصحة والخدمات في مدينته، يصبح شكل النظام السياسي بالنسبة له تفصيلاً ثانوياً أمام أولوية العيش الكريم. اللامركزية الحقيقية هي التي تطفئ حرائق الصراع على الكرسي المركزي.
إنها دعوة مخلصة لانتهاز هذه الفرصة التاريخية؛ دعوة للسلام، للتنمية، وللاستقرار. دعوة لنضع المشاريع الحزبية الضيقة، والنعرات المناطقية المقيتة جانباً، ونرفع شعار "المواطن أولاً". لنعمل جميعاً من أجل وطن مزدهر ومستقر، يليق بموقعه، ويؤهله للاندماج الطبيعي في محيطه الخليجي، كجزء فاعل من هذه الأسرة الواحدة.
فلنحكّم الضمير، ولنمسح غبار البؤس عن وجه هذا المواطن الصابر، فالتاريخ لن يرحم من فضّل مصلحة حزبه أو مكونه على حياة شعبه.


