الإنسانية في تعاملاتنا.
بقلم: موسى المليكي.
هل سمعت آذانكم، أو وعَت قلوبكم، أو أدركت بصائركم، أبهى من هذه الأوامر الربانية، التي تُشكلُ منارةً تُضيءُ دروبَ الحياة، وتُرسي دعائمَ الفضيلة، وتُعلّي صروحَ الإنسانية؟إنها كلماتٌ من نور، وتوجيهاتٌ من حكمةٍ بالغة، لو تغلغلت في أعماق النفوس، وصاغت منهاجَ السلوك، لارتقت الأرواحُ إلى أوجِ الكمال، ولتألقت المجتمعاتُ بجمالِ الصلاح.دعونا نتأمل في هذا العقد الفريد من الدرر، الذي ينسجُ لنا خيوطَ السعادةِ الأبدية، ويُرشدنا إلى صراطٍ مستقيمٍ لا اعوجاجَ فيه:
أولاً: في إقامة العدل وتجنب الظلم:
تُشرقُ علينا الوصيةُ الأولى كشمسٍ ساطعة: "وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ". إنها دعوةٌ صريحةٌ لإرساءِ العدلِ في كلِ شأنٍ من شؤونِ الحياة، وأن يكونَ الميزانُ شاهداً على استقامتكم، لا يميلُ مع الهوى، ولا ينحرفُ عن الحق. فما أبهى أن تكونَ قلوبُكم موازينَ للحق، وأفعالُكم تجسيداً للإنصاف.
وتتلوها وصيةٌ تُحذّرُ من كلِ تجاوزٍ واعتداء: "وَلَا تَعْتَدُوا". فحدودُ اللهِ مقدسةٌ، وحقوقُ العبادِ مصونةٌ، ومن يتجاوزها فقد أوردَ نفسَهُ مواردَ الهلاك، وأشعلَ فتيلَ البغضاءِ والشقاق.
ثم تأتي الوصيةُ الثالثةُ لترسمَ صورةَ المصلحِ لا المفسد: "وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ". إنها دعوةٌ لأن تكونوا بناةً لا هادمين، مصلحين لا مفسدين، وأن تُسهموا في عمارةِ الأرضِ بالخيرِ والصلاح، لا أن تنشروا فيها الفسادَ والخراب.
ثانياً: في طلب الحقيقة وتجنب الزيف:
"وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ". يا لها من وصيةٍ تُعلي شأنَ الحقيقةِ الناصعة، وتنهى عن خلطِها بالزيفِ والضلال. فالحقُ نورٌ لا يقبلُ التلبيس، والصدقُ جوهرٌ لا يرضى بالتشويه.
وتُكملُ هذه المنظومةَ الحكيمةَ وصيةٌ تُرسّخُ مبدأَ العلمِ واليقين: "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ". إنها دعوةٌ للتحري والتثبت، ولعدمِ الخوضِ فيما لا نملكُ فيه بصيرةً أو برهاناً، فالعلمُ أساسُ اليقين، والجهلُ مدعاةٌ للضلال.
ثالثاً: في التواضع وحسن الخلق:
"وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا". كم هي بليغةٌ هذه الوصيةُ التي تُحذّرُ من الغرورِ والخيلاء، وتدعو إلى التواضعِ الذي هو زينةُ العظماء. فالمرحُ المذمومُ يُعمي البصيرةَ ويُبعدُ القلوب.
وتُعضّدُها وصيةٌ أخرى في ذاتِ السياق: "وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ". إنها نهيٌ عن التكبرِ والاستعلاء، ودعوةٌ لأن نُقابلَ الناسَ بوجوهٍ بشوشةٍ وقلوبٍ متواضعة، فكلنا عبادٌ لله، والناسُ سواسيةٌ في الإنسانية.
ثم يأتي الأمرُ الجميلُ الذي يُرطبُ القلوبَ ويُلينُ الجوانب: "وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ". إنها دعوةٌ للمودةِ والرحمةِ والتواضعِ لأهلِ الإيمان، وأن نكونَ لهم كالجناحِ الذي يُظللُ ويحمي.
وفي كمالِ الأدبِ والوقار، تأتي وصيةٌ تُهذبُ السلوك: "وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ". فرفعُ الصوتِ دليلٌ على الجفاءِ والغلظة، بينما خفضُه يُشيرُ إلى السكينةِ والوقارِ والحكمة.
وتُكملُ صورةَ السلوكِ المتوازنِ وصيةٌ أخرى: "وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ". إنها دعوةٌ للاعتدالِ في كلِ شيء، حتى في السير، فلا خيلاءَ ولا تسرع، بل وقارٌ واتزانٌ يعكسُ استقامةَ النفس.
وفي التعاملِ مع السفهاءِ والجهال، يُرشدنا هذا المنهجُ إلى الحكمة: "وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ". فالحكمةُ تقتضي عدمَ الدخولِ في جدالٍ عقيمٍ مع من لا يطلبُ الحق، وتجنبَ سفاهاتِهم التي لا تُثمرُ إلا ضياعَ الوقتِ والجهد.
رابعاً : في العفو والإحسان والدعوة:
"خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ". يا لها من وصيةٍ جامعةٍ تُعلي من شأنِ التسامحِ واليسر، وتدعو إلى الأمرِ بكلِ ما هو حسنٌ ومقبولٌ في الفطرِ السليمةِ والعقولِ الراجحة.
وتُعضّدُها وصيةٌ في غايةِ الروعةِ والجمال: "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ". إنها دعوةٌ لمقابلةِ الإساءةِ بالإحسان، والشرِ بالخير، فذلك يُطفئُ نارَ العداوةِ ويُحوّلُ الخصومَ إلى أصدقاء.
وفي أسمى مراتبِ الدعوةِ إلى الله، تأتي هذه الوصيةُ النبيلة: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ". فالدعوةُ لا تكونُ بالشدةِ والغلظة، بل بالقولِ اللينِ والموعظةِ الحسنةِ والحجةِ البينة، التي تُلامسُ القلوبَ وتُقنعُ العقول.
خامساً: في حفظ الأعمال وتجنب المحرمات:
"لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى". إنها وصيةٌ تُعلّمُنا أن العملَ الصالحَ ينبغي أن يكونَ خالصاً لوجهِ الله، لا يُشوبهُ منٌّ على المتصدقِ عليه، ولا أذىً يُذهبُ ثوابَ الصدقة.
وتُحذّرُنا من أكلِ أموالِ الناسِ بالباطل: "وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ". فحقوقُ العبادِ مصونةٌ، والمالُ الحرامُ يُفسدُ البركةَ ويُورثُ الشقاءَ في الدنيا والآخرة.
سادساً :، في صيانة اللسان وتجنب آفاته:
"وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ". إنها دعوةٌ لاحترامِ الآخرين، وتجنبِ كلِ ما يُسيءُ إليهم من ألقابٍ مكروهةٍ تُجرحُ النفوسَ وتُورثُ البغضاء.
وتُكملُها وصيةٌ تُنهي عن السخريةِ والاستهزاء: "لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ". فالسخريةُ دليلٌ على نقصٍ في الساخر، وربما كان المسخورُ منه خيراً عند اللهِ تعالى.
ثم يأتي النهيُ الصريحُ عن آفةِ المجالسِ والنفوس: "وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا". فالغيبةُ أكلٌ للحمِ الأخِ ميتاً، وهي تُفسدُ العلاقاتِ وتُذهبُ الحسنات.
وفي حفظِ الخصوصياتِ وصيانةِ الأعراض: "وَلَا تَجَسَّسُوا". إنها دعوةٌ لعدمِ البحثِ عن عوراتِ الناسِ وزلاتِهم، وعدمِ تتبعِ أخبارِهم الخفية، فالتجسسُ يُولدُ الشكوكَ ويُفسدُ الثقة.
وتُعضّدُها وصيةٌ تُحذّرُ من سوءِ الظن: "اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ". فبعضُ الظنِ إثمٌ، والظنُ السيءُ يهدمُ جسورَ المودةِ ويُفسدُ القلوب.
سابعاً: في السلام والبر والإحسان:
"ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً". إنها دعوةٌ شاملةٌ للسلامِ والأمنِ والطمأنينة، وأن نُسخرَ كلَ جوانبِ حياتنا لتحقيقِ السلمِ لا الحرب، والوئامِ لا النزاع.
وفي كمالِ الأدبِ وحسنِ المعاملة: "وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا". إنها دعوةٌ لردِ التحيةِ بأفضلِ منها، أو على الأقلِ بمثلِها، فذلك يُعمقُ الودَ ويُرسّخُ المحبة.
وتتوالى وصايا الإحسانِ والبر: "وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا". فحقُ الوالدينِ عظيمٌ، وبرهما واجبٌ، وهما بابٌ من أبوابِ الجنةِ يُفتحُ لنا في الدنيا.
"وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى". إنها دعوةٌ لصلةِ الرحمِ ورعايةِ اليتامى، فهم أولى الناسِ بالعطفِ والرعايةِ والمدد.
"وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ". فإطعامُ الجائعِ وسدُ حاجةِ المحتاجِ من أعظمِ القرباتِ وأجلِ الطاعات.
ثامناً: في الأمانة والعطاء والقول السديد:
"وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ". إنها وصيةٌ تُحذّرُ من استبدالِ الحرامِ بالحلال، أو الرديءِ بالجيد، وتدعو إلى التمسكِ بكلِ ما هو طيبٌ وحسن.
"وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ". إنها دعوةٌ لحفظِ حقوقِ الضعفاءِ والأيتام، وتسليمِ أموالِهم إليهم كاملةً غيرَ منقوصةٍ عند بلوغِهم الرشد.
"أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ". إنها دعوةٌ للجودِ والعطاءِ من فضلِ اللهِ الذي وهبنا، فالإنفاقُ في سبيله بركةٌ ونماءٌ للرزق.
"وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا". إنها وصيةٌ بليغةٌ تُعلي من شأنِ الكلمةِ الطيبةِ الصادقةِ المستقيمة، التي لا اعوجاجَ فيها ولا كذب.
"وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا". إنها دعوةٌ لأن تكونَ ألسنتُنا رطبةً بالخير، وأن نُخاطبَ الناسَ بأجملِ العباراتِ وأطيبِ الألفاظِ التي تُلينُ القلوبَ وتُرسّخُ المحبة.
تاسعاً: في التعاون والوفاء والصدق:
"وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى". إنها دعوةٌ للتكاتفِ والتآزرِ في كلِ ما هو خيرٌ وصلاح، وفي كلِ ما يُقربُ من اللهِ تعالى.
"وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ". وفي المقابل، نهيٌ صريحٌ عن التعاونِ على المعاصي والآثامِ والظلمِ والتجاوز، ففي ذلك هلاكٌ للمجتمعاتِ والأفراد.
"وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ". إنها وصيةٌ بصيانةِ الأيمانِ والعهود، وعدمِ الحنثِ بها إلا لضرورةٍ شرعية، والوفاءُ بها متى أقسمنا.
"وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ". فالوفاءُ بالعهودِ والمواثيقِ مع اللهِ ومع الناسِ من سماتِ الصادقينَ والمؤمنين.
"وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ". إنها دعوةٌ للعدلِ والإنصافِ في المعاملاتِ التجاريةِ وغيرها، وأن نُعطيَ الناسَ حقوقَهم كاملةً غيرَ منقوصة.
"اعْدِلُوا". كلمةٌ جامعةٌ موجزةٌ، تحملُ في طياتِها كلَ معاني الإنصافِ والقسط، وتُشكلُ أساسَ صلاحِ الفردِ والمجتمع.
"كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ". إنها دعوةٌ لاختيارِ الصحبةِ الصالحةِ من أهلِ الصدقِ والإيمان، وأن نكونَ منهم، فالصدقُ يهدي إلى البرِ والبرُ يهدي إلى الجنة.
"أَوْفُوا بِالْعُقُودِ". فالعقودُ مواثيقٌ شرعيةٌ وأخلاقيةٌ يجبُ الالتزامُ بها والوفاءُ ببنودِها، وهي أساسُ الثقةِ في التعاملات.
"كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ". يا لها من وصيةٍ عظيمةٍ تُعلي من شأنِ العدلِ المطلق، وأن نكونَ شهوداً للحقِ حتى لو كانت الشهادةُ ضدَ أنفسنا أو أقربِ الناسِ إلينا، فالحقُ فوقَ كلِ اعتبار.
إن هذا النسيجَ المتكاملَ من الأوامرِ الربانيةِ ليس قائمةٍ من التعليمات، بل هو دستورٌ للحياةِ الصالحة، ومنهجٌ قويمٌ يرسمُ لنا طريقَ الفوزِ والنجاحِ في الدنيا والآخرة. فمن جعلَ هذه الوصايا نبراسَ دربِه، وقاعدةَ سلوكِه، وميزانَ أعمالِه، فقد اهتدى إلى صراطٍ مستقيم، وبلغَ منزلةَ الرضا، ونالَ السعادةَ الأبدية. فلتكن هذه الكلماتُ محفورةً في سويداءِ قلوبنا، مُترجمةً في جوارحنا، لِنُحققَ بها أسمى معاني العبوديةِ لله، وأجلَّ صورِ الإنسانيةِ في تعاملاتنا.


