دلتا أبين بين خضرة الأمس وجفاف اليوم

قلبي كمنفضة الرماد أنا
إن تنبشي ما فيه تحترقي
شعري أنا قلبي ويظلمني
من لا يرى قلبي على الورق
بهذه الكلمات العميقة للشاعر الكبير نزار قباني يبدأ الحنين إلى زمنٍ مضى، زمنٍ كانت فيه الأرض أكثر سخاءً، والناس أكثر صفاءً.

أتذكر أيامًا كنا نسير فيها من باتيس إلى الكود، مسافة تقارب أربعين كيلومترًا، فلا تقع عينك يمينًا أو يسارًا إلا على بساطٍ أخضر يمتد بلا نهاية.حقول القطن، والسمسم، والفول السوداني والحبوب، والأعلاف…والباباي والموز وكل شبرٍ من الأرض كان نابضًا بالحياة، وكأن الأرض قررت أن تهب خيرها بلا حساب.
كانت نيات الناس طيبة، وقلوبهم عامرة بالمحبة والتكافل. العلاقات الاجتماعية دافئة، والوجوه باسمة. وإذا مررت يوم الحصاد ببيتٍ أو مزرعة، عدت وبطنك ممتلئة، وجيبك عامر، وقلبك راضي شاكرًا الله على نعمه.
لكن للاسف الشديد الأحوال تغيّرت…
جفّت كثير من الأراضي، وهبط منسوب المياه الجوفية،وانتشرت فيها النباتات الضاره  وقلّت السيول بسبب تراجع الأمطار. وكأن الطبيعة تقول لنا إن الأرض لم تعد تتحمل مزيدًا من الإهمال.

في صباح يوما  هادئ مررتُ بمنطقة زراعية تمتد من الحصن إلى جولة الكوز في محافظة أبين. توقفت أمام مشهدٍ موجع.. اراضي بيضاء تحولت إلى كتل اسمنتيه والمزروع منها تحمل في جوفها نباتات مريضة، سيقان هزيلة، وأغصان بالكاد تحمل بعض الزهر… كأنها تستغيث، وتطلب قليلًا من الغذاء وقليلًا من الرعاية.
مشهد واحد… لكنه يختصر مأساة مئات الحقول التي تعاني اليوم من فقر التربة وغياب التغذية الزراعية السليمة.
نلتقي يوميًا بمزارعين يقولون..
نريد إنتاجًا وفيرًا… محصولًا قويًا… وجودة عالية.
لكن عندما تسأله....
ماذا قدمتَ للأرض كي تعطيك؟
يصمت…
والأرض – كما نقول في أمثالنا – مثل الأم: إذا جاعت ضعف أولادها.
هي التي تحتضن البذرة، وتغذي النبات، وتمنحه الحياة. فكيف نطلب منها أن تنبت وتثمر وهي منهكة وخاوية من الغذاء؟
المؤلم أن التربة اليوم تحتاج بشدة إلى السماد العضوي، بينما نرى جبالًا من مخلفات الحيوانات تُحرق بلا فائدة. تلك المخلفات التي يظنها البعض نفايات ليست في الحقيقة إلا كنزًا زراعيًا ثمينًا.
فهي تحتوي على المادة العضوية والعناصر الغذائية الكبرى والصغرى، إضافة إلى الكائنات الدقيقة النافعة التي تعيد الحياة إلى التربة.
إنه الذهب الأسود يا سادة…
ليس قمامة… بل غذاء كامل للتربة، وقوة للنبات، وسر جودة المحصول.
كم من مزارع يتعب طوال الموسم يحرث الأرض، ويبذر البذور، ويروي الزرع… ثم في نهاية المطاف لا يجني إلا إنتاجًا ضعيفًا أو خسارة مؤلمة.
ليس لأنه قصر في عمله، بل لأنه نسي أهم قاعدة في الزراعة الحديثة
تغذية التربة قبل زراعة الحقول.
فالقاعدة الزراعية واضحة..

التربة الفقيرة لا تُنبت إلا نباتًا فقيرا مريضا هزيلا  والنبات الجائع لا يعطي إلا محصولًا ضعيفًا.
وكما قال الأوّلون...
الجوع كافر… والنبات الجائع لن يمنحك إلا الهم والتعب والخسارة.
ومن هذا المنطلق، قمنا – ولله الحمد – بتدريب مئات المزارعين في مناطق مختلفة على كيفية تحويل مخلفات الحيوانات وبقايا المحاصيل إلى سماد عضوي (كمبوست) يعيد للتربة خصوبتها ويزيد إنتاجيتها.
وقد حرصنا عبر الورش التدريبية ووسائل الإعلام واللقاءات الميدانية على نشر الوعي الزراعي، وتعليم المزارعين قراءة أرضهم وفهم احتياجاتها، والعودة إلى الزراعة العلمية المدروسة.
لكن الطريق ما يزال طويلًا…
فهناك من يسمع ويتعلم ويطبق، وهناك من يظل صامتًا – كما نقول في أمثالنا – مغنّي بجنب أصنَج.
ومع ذلك سيبقى واجبنا مستمرًا.
سنواصل التدريب، ونواصل التوعية، ونواصل العمل حتى تعود أرضنا خضراء كما كانت، ويعود المزارع إلى خير أرضه وبركتها، ويصبح غذاء الناس آمنًا وصحيًا وعالي الجودة.
فالأرض…
إذا خُدِمت أعطت،وإذا أُهملت بكت.
وما بين البكاء والعطاء…يبقى قرار المزارع هو الفارق.

 عبدالقادر السميطي 
دلتا أبين