عصر الضجيج - حين يصبح الكلام انحطاطًا ثقافيًا ويغدو الصمت مقاومةً عقليةً ....
ليست المشكلة في عالمنا اليوم أن الناس لا يتكلمون، بل إنهم يتكلمون أكثر مما يفهمون، ويجادلون أكثر مما يُصغون.
لقد أصبح الكلام أسهل المهارات، وأرخصها قيمة، وأكثرها انتشارًا.
لكن المفارقة أن سهولة الكلام لا تعني عمق الفهم، كما أن كثرة الأصوات لا تعني وجود حوار.
ففي كل تواصل إنساني يقف الإنسان أمام خيارين لا ثالث لهما:
أن يتكلم… أو أن يستمع.
غير أن الحضارات لا تُقاس بقدرة أبنائها على الكلام، بل بقدرتهم على الإصغاء.
ولذلك لم يكن الاستماع في تاريخ الفكر مجرد سلوك اجتماعي مهذب، بل كان أداة معرفة، ومدخلًا للفهم، وشرطًا من شروط بناء العقل.
غير أن الإنسان المعاصر – في زمن المنصات المفتوحة والضجيج المتواصل – بات يخلط بين التعبير عن الرأي وفهم الواقع، وبين الحديث والحوار.
فالناس اليوم لا يريدون أن يفهموا بعضهم بقدر ما يريدون أن يعلن كلٌّ منهم ذاته.
وهكذا تحوّل الكلام – في كثير من الأحيان – من وسيلة للفهم إلى أداة للاستعراض، ومن جسرٍ للتواصل إلى جدارٍ من الضجيج.
إن الكلمة يمكن أن تبني علاقة، لكنها قد تهدمها أيضًا.
وقد تقرّب المسافات كما قد تفتح فجوات خفية بين العقول.
ويحدث ذلك حين يتجاوز المتكلم الخطوة الأولى في كل تواصل إنساني حقيقي:
أن تصمت أولًا… لتفهم.
فالاستماع ليس مجرد انتظار دورك في الكلام، بل هو محاولة صادقة للدخول إلى عالم الآخر:
لفهم منطقه، وقراءة مشاعره، واستيعاب خلفياته.
وعند هذه اللحظة فقط يصبح الكلام ثمرة الفهم لا ضجيج الرأي.
إن من يُكثر الكلام دون إنصات لا يملأ الفضاء بالحكمة، بل يملؤه بالصوت.
ومع الزمن يفقد تأثيره، لأن الناس لا تحترم من لا يحترم عقولهم.
أما الاستماع الحقيقي فهو الذي يمنح صاحبه ما لا تمنحه البلاغة:
الهيبة الفكرية.
فالإنصات يراكم المعرفة، ويبني الثقة، ويخلق أرضية مشتركة للفهم، ويجعل الكلمات اللاحقة أكثر دقة وتأثيرًا.
ومن هنا فإن الصمت الواعي ليس علامة ضعف كما يتصور البعض، بل هو قوة عقلية، ومظهر من مظاهر النضج الذهني.
لكن الصمت ليس دائمًا فضيلة؛ فهناك صمتٌ آخر مصدره الخوف وضعف الثقة بالنفس.
ذلك الصمت لا يصنع حكمة، بل يصنع العجز.
ولهذا فإن التواصل الناضج لا يقوم على الكلام وحده، ولا على الصمت وحده، بل على وعيٍ يميز اللحظة المناسبة لكل منهما.
فالحكمة الحقيقية ليست في أن نتكلم كثيرًا، بل في أن نعرف:
متى نتكلم ؟
وكيف نتكلم ؟
وبأي قدر نتكلم ؟
ومتى نصمت ؟
ومتى يصبح الصمت أبلغ من الكلام ؟
لقد قال أحد الحكماء إذا كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب .
غير أن التجربة العربية الإنسانية صاغت حكمة أكثر قسوة وصدقًا :
ما إن ندمتُ على سكوتٍ مرةً ..
ولقد ندمتُ على الكلام مرارًا.
والتساؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل ما زال في عالم الضجيج العربي من يعرف قيمة الصمت ؟
أم أننا دخلنا عصرًا جديدًا يمكن وصفه ببساطة بأنه :
عصر الكلام بلا فهم ؟! .
بقي السؤال :
أكو عرب ؟ !


