ليلة نصف القمر

كتب : حسين أحمد الكلدي 

في تلك الليلة من منتصف شهر يناير 2026، كان القمر يتوسط كبد سماء صلالة ساطعًا، يعكس نوره على مياه أمواج البحر العربي المنبثق من المحيط الهندي. وكانت الأمواج تتحرك بخفّة، تضرب الشاطئ بشكل لافت، ويتلألأ نور القمر عليها في صورة بلورات لؤلؤية فاتحة اللون، مائلة إلى بريق الفضة العتيقة.

قد يبدو لك هذا المنظر الساحر غير مألوف، وقد يشعرك بالهيبة والارتباك في آنٍ واحد، نتيجة الهدوء وسكون الأجواء الليلية الساحرة المحيطة به. وكانت تلك الليلة توحي بتحوّلٍ مثير للاهتمام، لا يمكن وصفها بالعادية بأي حال من الأحوال، ولا سيّما على تلك الأراض القابعة في البحر، التي تشبه جزيرة صناعية صغيرة صُمّمت بعناية. ومن خلالها ترى السائحين الأوروبيين وأبناءهم وهم يتجولون ليلًا بين المطاعم والمحلات التجارية التي تبيع قطعًا صغيرة من التراث القديم الثمين، وقطعًا من الأقمشة الحريرية المزركشة بألوان عجيبة. وفي هذه الجزيرة كنا نجلس لقضاء بعض الوقت والاستمتاع، وندخل إليها عبر ذلك الجسر الممتد بينها وبين اليابسة، والذي يعتليه السواح ليلًا ونهارًا لالتقاط الصور التذكارية. ويعبّر هذا الجسر عن براعة ومهارة في الهندسة والإبداع، والاهتمام بالذوق الروحي الذي يرمز إلى بناء جسور الصداقة والتواصل بيننا وبين الآخرين عند الالتقاء، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. نستمتع هناك بوجود طيور البط الكثيفة، والأسماك التي تحيط بالجزيرة، والتي تنتظر إطعامها بالفشار وبقايا البطاطا من قِبل زوّار الجزيرة. لذلك نستمتع بحفيف الأجنحة، والأصوات الجميلة التي تصدرها أثناء الطيران، في سباقٍ بينها وبين الأسماك الكثيفة التي تحيط بالمكان. كما نستمتع ليلًا بالأضواء المرتبة بعناية، وبالأشجار التي زُرعت تحت المظلّات في أحواض جميلة، مما جعل منها واحة خضراء، سواء في الشتاء ذي الجو البارد المعتدل، أو في الخريف ذي الطقس الممطر.

فنحن نستمتع برذاذ المطر الخفيف الناعم، المختلط بالغيوم الكثيفة التي تحيط بالمنتجع طيلة ذلك الفصل. وعند الالتقاء في الجزيرة، نستمتع بالمأكولات العالمية المختلفة، وتستطيع أن ترتشف وتتذوق مشروب القرفة بالزنجبيل المخلوط بالعسل والليمون، وأجمل أنواع قهوة الإسبريسو، وكافة المذاقات الأخرى، أو الشاي الأخضر بالنعناع. وايضا تستطيع من خلال هذه اللقاءات أن تعبّر عن رؤيتك وأفكارك وخبراتك وإمكاناتك الفكرية مع من تجمعك بهم روابط الصداقة والمعرفة. وإذا كنت تكتب منشورًا على مدونةٍ ما في إحدى المنصات، وتودّ من الناس قراءته ومشاركته، فإن ذلك لا يتحقق إلا إذا كان يحمل أفكارًا جيدة تستحق أن تُقرأ من قِبل عدد كبير من الناس، ويُعلَّق عليها إن كانت ذات أهمية وقيمة. فالناس مشغولون بمقاطع اليوتيوب والتيك توك، ومتابعة الأخبار السياسية أو الرياضية، حتى إن أكثر الرسائل قيمةً كثيرًا ما تُنسى أو تُتجاهل، نتيجة اختلاط الأمور ببعضها. وحتى إن كانت رسالتك ذات قيمة، فقد تفقد أثرها وتضيع وتذهب هباءً منثورًا دون أن تحقق هدفها على الإطلاق، وهو أمر محبط. ولكن عند الالتقاء بالأصدقاء، يكون الجو مناسبًا ومفعمًا بالنقاشات المثيرة للاهتمام، سواء في مجال التجارة، أو التواصل، أو التعارف مع العملاء أو الأصدقاء. فالروتين اليومي يجعل الناس يبحثون عن الهدوء. صحيح أن زملاءك قد يصيبهم التشتت، ويتنقلون من صفحة إلى أخرى، وبين الرسائل الإلكترونية التي لا تنتهي، وعندئذٍ يدخل التشتيت في الصورة بشكله الحقيقي، وقد يشملك هذا الشعور كذلك. فتشعر بأن زملاءك يتحملون فوق طاقتهم، مما يؤثر على مستمعيك أثناء الحديث، فلا يستوعب أحد ما تقوله.

وهذه حقيقة في كثير من الأمور؛ فقد لا يرغب أحد في الاستماع إليك أو الحديث معك لأنه غارق مع نفسه. المهم أن نعود إلى الأجواء الجميلة وضوء القمر، وأمواج البحر المتلألئة، والصحبة الطيبة المتفهمة للأمر الواقع.

15 / 2 / 2026