العقلية العسكرية الأمريكية والإسرائيلية .. في الحروب والصراعات ..!! 

ما أكثر التحليلات والمحللين في قنوات الاخبار هذه الفترة بالذات وعلى كل المستويات ، وللاسف الشديد الكثير منها يسير في مسارات بعيدة عن جوهر الحدث الحاصل اليوم ، وذلك تبعاً لعقليات وأهواء ومزاجات ونفسيات وتوجهات وأهداف وغايات وعلاقات سواء القنوات أو المحللين ، كل ذلك يجعل المشاهد والمتابع لهذه القنوات واخبارها ومحلليها وتقاريرها يخرج مشتت الفكر بلا نتيجة ولا رؤية ولا أفق ولو قريب حول ما يحدث اليوم ، تحليلات وتقارير واخبار ضبابية قد يناقض بعضها بعضا ، انتصارات خنفشارية هنا وانتصارات اعلامية هناك ، تهويل وترويع وتضخيم هناك وتضليل وتعتيم هنا وهكذا ، حالة من الاسهال الاعلامي والتحليلي ان جاز التعبير ، ومعظمها يدور في حلقات مفرغة ومكررة ، وكل محلل يهرف بما لا يعرف ، لدرجة أن بعضهم يتمادى في ذلك لدرجة استباق الاحداث والتنبوء بنوايا وقرارات اصحاب القرار في هذه الحرب ، فترى بعضهم يقول بأن ترمب في الطريق لايقاف الحرب لمجرد تصريح او عبارة قالها هنا او هناك ، كل ذلك دون قراءة استراتيجية صحيحة للحدث من جميع ابعاده وزواياه وخلفياته ، مجرد قراءات مجتزئة وتحليلات دلفري سريعة لإرضاء جمهور معين او طرف معين ..!! 

وعلى العموم ..... 
ما يحدث اليوم من عمل عسكري تقوم به امريكا واسرائيل ضد ايران ، ليس وليد اللحظة بل انه عمل تم التخطيط له بدقة عالية جدا خلال فترة زمنية طويلة ، وتم وضع برنامج زمني محدد له بعناية فائقة ، وتم وضع اهداف يجب انجازها خلاله مهما كانت التكاليف والتضحيات ومهما استغرق من وقت ، وكم استغرب من بعض المحللين الذين يظنون ان باستطاعة ترامب ايقاف هذا الهجوم قبل تحقيق اهدافه وغاياته ، وكم اندهش وانا اشاهد البعض وهو يفكر مجرد تفكير بأن امريكا بعد ان حركت كل هذه الآلة الحربية الكبيرة وجلبتها إلى المنطقة وخسرت مليارات الدولارات يمكن إن توقف هذه الحملة وتعود ادراجها دون تحقيق هدفها الجوهري ، وهو القضاء على السلاح النووي الايراني وتدمير التصنيع العسكري الصاروخي الايراني وصولا إلى اسقاط النظام الايراني ، من يفكر مجرد تفكير بأن العقلية العسكرية الامريكية والاسرائيلية يمكن ان تفكر مجرد تفكير في التنازل عن أياً من هذه الاهداف الجوهرية لهذه الحملة العسكرية ، فهو لم يقرأ تاريخ هذه العقلية خلال حروبها ومعاركها وحملاتها ولا يعرف عنها شيئاً ، هي قد تقسط هذه الاهداف على مراحل لكنها لا يمكن ابدا ان تتنازل عن أياً من هذه الاهداف ، قد تبدآ بتدمير البرنامج النووي كما حدث في حرب 12 يوم العام الماضي ، وتنتقل كما هو حاصل اليوم الى تحقيق الهدف الثاني وهو تدمير التصنيع الصاروخي والعسكري الايراني ، وقد تؤجل الهدف الثالث وهو اسقاط النظام الايرلني الى مرحلة قريبة قادمة ، عن طريق استمرار الحصار الاقتصادي والعزلة الاقليمية ودعم الاقليات والانتفاضة الشعبية وغيرها ، لكنها لن تتنازل ابدا عن اسقاط النظام الايراني في نهاية المطاف كهدف استراتيجي لا تراجع عنه ..!! 

وخير مثال على تعامل العقلية العسكرية الاسرائيلية والامريكية مع الاحداث ، ما حدث للرئيس العراقي السابق صدام حسين ، حيث استمرت في حصاره حتى انهكت قوته وفكفكت جيوشه ، وصولا إلى هزيمته واعدامه شنقا بالتعاون مع عملاء وخونه من ابناء العراق ، كل ذلك لمجرد انه اعلن الحرب والتمرد على امريكا ، ولمجرد أنه اطلق 39 صاروخ على اسرائيل ، فكيف الحال اليوم مع النظام الايراني الذي يرفع شعار الموت لأمريكا والذي قصف اسرائيل والقوات الامريكية بالالف من الصواريخ والمسيرات ، بدون شك سوف يكون رد فعل العقلية العسكرية الامريكية والاسرائيلية ضد النظام الايراني ورموزه وقياداته وحلفائه كبير وشديد ، لذلك ليس امام النظام الايراني ومن يقف معه سوى المواجهة حتى النهاية كقدر محتوم ، فهو من ساق نفسه إلى هذا المصير ، وهو من اختار سياساته وافعاله وحدد اهدافه خلال المراحل السابقة ، وعليه أن يكون على استعداد لتحمل كل النتائج المترتبة على ذلك ، فلم يجبره أحد على اتخاذ هذه السياسات ولم تكن هناك أي ظروف ضاغطة اجبرته على ذلك ، بل هو من اختارها بمحض ارادته وقناعاته وكل من وقف معه ، مسألة مبادئ ومعتقدات وثوابت وسيادة وكرامة وحضور ووجود يهون في سبيلها التضحية والفداء ، بل هو الشرف والهدف المنشود حسب وجهة النظر الايرانية ، وما أجمل الصمود والتضحية في سبيل تحقيق الاهداف والغايات السامية أو الموت دونها ..!! 

 ويبدو بأن النظام الايراني ومن يقف معه قد ادركوا هذه الحقيقة ، وادركوا بأنهم أمام معركة مصيرية ، وهو ما يدفعهم اليوم للقتال بكل قوة وبكل ما يمتلكون من عتاد وسلاح حتى النهاية ، لأن الخيار الاخر هو الاستسلام والرضوخ للشروط التعسفية الامريكية والاسرائيلية ، ومخطئ من يظن بأن الايرانيون لم يعدوا العدة لهذه المعركة ، بل إن لهم نصف قرن وهم يعدون العدة ويشحذون الهمة ، لهذه المنازلة التاريخية الفاصلة ، وأي تأجيل للمعركة او قبول بالسلام بعد كل ما تلقوه من القصف والدمار والقتل هو مجرد تأجيل للضربة القاضية الحتمية والمتمثلة باسقاط النظام ، وعلى القيادة الايرانية ومن يقف معها الابتعاد عن اوهام السلام مع امريكا واسرائيل ، وأمنيات أن العقلية العسكرية الامريكية والاسرائيلية يمكن أن تتركهم وشأنهم ، ويمكن أن تقبل باستمرار النظام الايراني بتركيبته وايديولوجيته وصيغته وتحالفاته الحالية ، كما أنه من الخطأ الفادح الظن بأن الحرب يمكن ان تتوقف دون سقوط النظام الايراني ، قد تتوقف مؤقتا لكنها لن تتوقف بشكل كامل دون تحقيق الهدف النهائي الذي قررته العقلية العسكرية الامريكية وهو القضاء على النظام الايراني القائم اليوم وتغييره بنظام جديد مختلف كليا في المنهج والايديولوجيا والسياسة ، وخلاصة القول ليس امام النظام الايراني اليوم سوى خيار واحد وهو خيار الحرب حتى النهاية ( النصر أو السقوط ) ..!!